تقرير - شريهان شكري:
منذ أن يخطو الطفل أولى خطواته داخل المدرسة، تبدأ أسر كثيرة في رسم ملامح مستقبله، وتنسج له حلمًا يبدو، بالنسبة إليها، الطريق الأقصر إلى النجاح: الالتحاق بإحدى ما يُعرف بـ"كليات القمة".
ومع مرور السنوات، يتحول هذا الحلم من أمنية مشروعة إلى هدف لا يقبل التراجع لدى بعض الأسر، حتى يصبح اسم الكلية معيارًا للتفوق، ومقياسًا للمكانة الاجتماعية، وربما الحكم الأول على مستقبل الابن أو الابنة.
ومع اقتراب إعلان نتائج الثانوية العامة وبدء سباق التنسيق، تبلغ هذه الضغوط ذروتها. فهناك طلاب يدخلون تلك المرحلة وهم يحملون طموحاتهم الشخصية.
بينما يحمل آخرون أحلامًا ورثوها عن أسرهم، فيشعر بعضهم بأن عدم الإلتحاق بكلية بعينها يعني ضياع المستقبل، رغم أن خريطة سوق العمل تغيرت، وظهرت تخصصات جديدة فرضت نفسها بقوة، وأصبح النجاح يرتبط بالمهارة والكفاءة بقدر ارتباطه بالشهادة الجامعية.
فهل ما زالت "كليات القمة" كما اعتاد المجتمع تسميتها هي الطريق الوحيد للنجاح؟ أم أن تغيرات سوق العمل فرضت مفهومًا جديدًا للتفوق، يقوم على اختيار التخصص المناسب، لا مجرد الالتحاق بكلية تحمل اسمًا مرموقًا؟
وترى ميس مروة، ولية أمر، أن النظرة إلى الكليات يجب أن تتغير بما يتوافق مع متطلبات العصر، مؤكدة أن سوق العمل لم يعد يعتمد على التخصصات التقليدية وحدها، بل أصبح أكثر احتياجًا إلى مجالات التكنولوجيا والتحول الرقمي واللغات، التي تواكب التطورات المتسارعة.
وتؤكد أن المشكلة ليست في طموح الأسرة، وإنما في اعتقاد بعض أولياء الأمور أن عدم الالتحاق بكليات الطب أو الهندسة أو طب الأسنان أو الصيدلة يعني الفشل، وهو ما يضع الأبناء تحت ضغوط نفسية كبيرة.
وتشدد على أن دور الأسرة يجب أن يتجاوز السعي وراء المجموع، إلى مساعدة الأبناء على اختيار المجال الذي يناسب قدراتهم، وغرس ثقافة وجود أكثر من طريق للنجاح، فالمستقبل لا يتوقف على كلية واحدة، والرزق لا يرتبط باسم تخصص بعينه.
النجاح ليس اسم كلية
هذه الفكرة تتفق معها رنا، الطالبة بالثانوية العامة، التي ترى أن مفهوم "كليات القمة" لم يعد يعبر عن الواقع، مؤكدة أن كل تخصص يمكن أن يكون طريقًا للنجاح إذا اختاره الإنسان عن اقتناع وأبدع فيه.
وتقول رنا إن أكثر ما تتمناه هو أن يدرك أولياء الأمور أن الضغوط النفسية قد تؤذي أبناءهم أكثر مما تساعدهم، موضحة أن إجبار الطالب على دراسة تخصص لا يناسبه قد يحقق رغبة الأسرة، لكنه لن يصنع إنسانًا ناجحًا أو مبدعًا.
وأضافت: "كل طالب لازم يفكر في المجال اللي يناسبه ويقدر يبدع فيه، مش في المجال اللي المجتمع شايفه أفضل. لو أنا بحب التكنولوجيا أو التصميم، ليه أدخل كلية مش بحبها لمجرد إنها اسمها كلية قمة؟"
وترى أن المجتمع بحاجة إلى تغيير نظرته إلى النجاح، مشيرة إلى أن هناك خريجين من كليات بسيطة استطاعوا تحقيق نجاحات كبيرة، بينما لم يحقق آخرون تخرجوا في كليات مرموقة ما كانوا يطمحون إليه.
وتؤكد أن أسرتها لم تفرض عليها يومًا كلية بعينها، بل كانت حريصة على دعمها وتشجيعها، قائلة: "لما اخترت علمي رياضة كان القرار قراري، وأهلي كانوا دايمًا يقولوا لي اجتهدي وإحنا معاكِ، والإنسان مش مجموع درجات، المهم يبذل اللي عليه، وربنا هيرزقه بالأفضل."
وتوضح أن حلمها بالالتحاق بكلية الهندسة لا يرتبط بكونها من الكليات التي يطلق عليها المجتمع "كليات القمة"، وإنما لأنها أحبت هذا المجال منذ طفولتها، متأثرة بوالدها الذي كانت ترافقه إلى عمله، فأصبحت ترى نفسها في هذه المهنة.
وأضافت: "لو مدخلتش هندسة مش هعتبر إن الدنيا انتهت، ممكن أدخل نظم ومعلومات أو أي كلية قريبة من التكنولوجيا، لأن ده المجال اللي بحبه وبحس إنه مناسب لشخصيتي."
وتستشهد بتجربة شقيقتها، الطالبة بكلية الآداب، التي حققت تفوقًا في دراستها، مؤكدة أن النجاح لا يرتبط باسم الكلية، بل بقدرة الإنسان على التميز فيما يحب، مضيفة: "ممكن مهندس ميلاقيش شغل، وفي المقابل حد تاني ينجح جدًا في مجال مختلف لأنه بيحبه."
ضغوط تبدأ من داخل المنزل
ومن جانبها، تؤكد الدكتورة برديس رزق، المتخصصة في الصحة النفسية والإرشاد الأسري، أن الضغوط التي يتعرض لها طلاب الثانوية العامة لا تبدأ داخل لجان الامتحانات، وإنما تبدأ داخل كثير من البيوت مع بداية العام الدراسي، عندما تتحول الثانوية العامة إلى حالة استنفار يعيشها جميع أفراد الأسرة.
وتوضح أن حلم الآباء والأمهات برؤية أبنائهم في كليات مثل الطب أو الهندسة أو الصيدلة أمر طبيعي، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الحلم إلى ضغط يومي، فتتكرر المقارنات والعبارات التي تحمل الطالب مسؤولية تحقيق توقعات أسرته، فيشعر بأنه مطالب بإرضاء الجميع، لا بتحقيق حلمه هو.
وتشير إلى أن الطالب في هذه المرحلة العمرية لا يزال يبني شخصيته ويكتشف ميوله وقدراته، وعندما يشعر أن قيمته أصبحت مرتبطة بالمجموع أو باسم الكلية، يبدأ القلق والخوف من الفشل في السيطرة عليه، وهو ما قد ينعكس على تركيزه وأدائه، بل ويؤدي في بعض الأحيان إلى فقدان الشغف بالمذاكرة نفسها.
وتضيف أن المذاكرة بالنسبة لبعض الطلاب لم تعد وسيلة للتعلم وتحقيق الطموح، بل أصبحت محاولة لإرضاء الأسرة أو الهروب من اللوم، وهو ما يفقدها معناها الحقيقي، ويجعلها عبئًا نفسيًا بدلًا من أن تكون خطوة نحو المستقبل.
وترى أن الحل لا يكمن في تقليل طموح الأبناء، وإنما في تغيير أسلوب التعامل معهم، من خلال الاستماع إلى ميولهم، وتشجيعهم بدلًا من مقارنتهم بغيرهم، ودعمهم نفسيًا قبل الضغط عليهم دراسيًا، مع ترسيخ قناعة بأن النجاح لا يُقاس برقم في شهادة أو باسم كلية، وإنما بقدرة الإنسان على بناء مستقبل ينسجم مع إمكاناته وشغفه.
وتؤكد أن الثانوية العامة، رغم أهميتها، ليست نهاية الطريق، بل مجرد محطة من محطات الحياة، يمكن تجاوزها بنجاح عندما يجد الطالب من يمنحه الثقة والدعم، لا من يضاعف مخاوفه.
وأضافت: "الطالب ليس رقمًا في نتيجة، ولا مجرد مجموع يُكتب في استمارة التنسيق، بل إنسان لديه حلم وقدرات، ويحتاج إلى من يسمعه ويطمئنه ويؤمن به. وعندما يشعر بالدعم، يصبح أكثر قدرة على النجاح والإبداع."
آثار نفسية قد تمتد لما بعد النتيجة
وفي السياق ذاته، تؤكد الدكتورة إسلام سالم، استشارية الطب النفسي السلوكي، أن ربط مستقبل الطالب بالالتحاق بكلية معينة قد يترك آثارًا نفسية خطيرة، موضحة أن بعض الطلاب يعتقدون أن عدم دخول كلية بعينها يعني الفشل أو ضياع المستقبل، وهو اعتقاد قد يقود إلى الاكتئاب، وفي بعض الحالات إلى التفكير في إيذاء النفس.
وتشير إلى أن الحل يبدأ من الأسرة، من خلال تقديم الدعم النفسي، ومساعدة الأبناء على اكتشاف قدراتهم الحقيقية، وتشجيعهم على اختيار التخصص الذي يناسبهم، بدلًا من فرض مسار لا يتوافق مع ميولهم.
مستقبل تصنعه القدرات لا أسماء الكليات ومع تغير إحتياجات سوق العمل، وتنوع التخصصات، لم يعد النجاح حكرًا على مسار واحد، كما لم تعد قيمة الإنسان تُقاس بإسم الكلية التي التحق بها، بل بما يملكه من معرفة ومهارات، وقدرته على التطور والإبداع.
قد يفتح المجموع بابًا إلى كلية، لكنه لا يصنع وحده مستقبلًا، فالمستقبل الحقيقي يبنيه طالب يعرف قدراته، وأسرة تؤمن به، ومجتمع يدرك أن النجاح لا يُختزل في اسم كلية، بل في إنسان وجد طريقه، وأحسن السير فيه.
أخبار متعلقة :