عاصم صبحي يكتب .....قناة السويس .. ما لها و ما عليها

عاصم صبحي يكتب .....قناة السويس .. ما لها و ما عليها
عاصم صبحي يكتب .....قناة السويس .. ما لها و ما عليها


هل كان مشروع حفر قناة السويس أعظم خدمة قدمتها مصر متمثلة في شخص الخديوي سعيد باشا للإنسانية و الحضارة ؟ ، أم أن هذا المشروع كان مصدر شؤماً علي البلاد و استقلالها ؟ ، بمعني آخر هل كانت مصر ضحية قناة السويس ؟ .
كثرت الأحاديث في الآونة الأخيرة عن قناة السويس بين أفراد الشعب المصري و علي كافة المستويات ، حتي أن رأس النظام تطرق بالحديث عنها مطمئنًا الشعب حيالها ، فكانت الأحاديث تدور بين كافة المستويات المثقفة منها و المتوسطة و العامة من الشعب المصري حول اتجاه الحكومة و لو بمجرد التفكير في بيع أو تأجير جزء أو كل قناة السويس ، و هذا إنما يدل علي وعي الشعب بكل مستوياته و طبقاته بأهمية وضع قناة السويس بالنسبة لمصر ، و التأكيد علي مصريتها و عدم مساسها أو التفريط فيها .
و كان سبب هذا الجدل الواسع النطاق حول أهمية القناة هو موافقة مجلس النواب المصري علي مشروع قانون مقدم من الحكومة لإنشاء صندوق مملوك لهيئة قناة السويس يهدف لتنمية موارد القناة من خلال استغلال و تعظيم قيمة أموال ستوضع فيه ، عن طريق شراء و بيع و تأجير و استئجار و استغلال الأصول الثابتة و المنقولة و الانتفاع بها ، مما سيؤدي إلي تعظيم دخل القناة ، و ما يترتب علي ذلك من تمكن الحكومة من سداد ديونها الخارجية التي استفحلت في الفترة الأخيرة و أصبحت تشكل عبء كبيرًا علي البلاد و العباد ، و كأن التاريخ يعيد نفسه !! .
لكن ما هو هذا التاريخ الذي يعيد نفسه ، و ما هي قصة هذه القناة ؟ ، فيما يلي سوف أختصر قصة حفر قناة السويس ، فمن المؤكد أن الأجيال الحديثة لم تطلع علي هذه القصة من قريب أو بعيد ، فلعلها تنتفع بما تقرأ و تزداد إيمانًا بقضيتها و قوة حجتها في التمسك بهذه القناة التي دفعت مصر ثمنها غالي جدًا .
في البداية دعني أسيق لك بعض مما قيل إبان منح امتياز حفر القناة علي لسان بعض الشخصيات الأوروبية ، فيقول المستر " بروس Bruce “ قنصل انجلترا في مصر وقتئذ إلي حكومته ينبئها بخبر منح الامتياز في ختام رسالته : " إن فتح القناة سيؤدي إلي ازدياد المواصلات التجارية بين أوروبا و البلاد الواقعة علي البحر الأحمر ، و ستنشأ طبعاً مراكز للدول الأجنبية في هذه البلاد .. و من المنتظر أن تحدث منازعات بينها و بين تلك الشعوب ، فتتخذ ذريعة إلي التدخل المسلح في شئونها ، و هذا التدخل يفضي إلي الاحتلال الدائم ، و يتوقع أن تحدث هذه النتائج في مصر ذاتها " .
و يقول مؤلف " تاريخ مصر المالي " و هو من الكتاب الأوروبيين المشهود لهم بالاعتدال و أصالة الرأي : " إن منح امتياز القناة إلي المسيو ديليسبس قد فتح أبواب الدلتا علي مصراعيها للأوروبيين " .
في عهد الحملة الفرنسية فكر نابليون في وصل البحر الأحمر بالبحر الأبيض المتوسط ، و عهد إلي المسيو " لوبير " كبير مهندسي الري و الطرق و الجسور بدراسة هذا المشروع ، غير أنه اعتقد خطأ أن البحر الأحمر يعلو عن سطح البحر الأبيض بنحو تسعة أمتار ، و قد نشر " لوبير " مشروعه في كتاب " تخطيط مصر " بالجزء الحادي عشر ، و فيه بحث مستفيض عن التخطيط و التنفيذ و النفقات ، و يقع هذا البحث في أكثر من ثلاثمائة صفحة ، و هو من أجلّ الأبحاث التي وضعها علماء الحملة ، و توقف علي ذلك المشروع حتي جاء المسيو " فردينان ديليسبس " إلي مصر لأول مرة سنة ١٨٣١ علي عهد محمد علي باشا متوليًا منصب مساعد القنصل الفرنسي ، و كان والده الكونت " ماتيو ديليسبس " حينما كان قنصلا لفرنسا في مصر سنة ١٨٠٣ صديقًا حميمًا لمحمد علي باشا ، فأبدي الباشا تعاطفًا كبيرًا نحوه لما بينه و بين والده من صداقة .
عهد الباشا إلي ديليسبس أن يعني بتربية الأمير محمد سعيد تربية رياضية ، فتعلم الأمير علي يده أنواع الرياضة و المهارة في ركوب الخيل ، و من هنا نشأت و استمرت صلات الود بينهما طول حياة سعيد باشا .
هذا و قد وقع في يد ديليسبس و هو في الاسكندرية بحث مسيو لوبير عن وصل البحر الأبيض بالبحر الأحمر ، فعكف علي دراسته دراسة مستفيضة عميقة فاتجهت نفسه إلي تحقيق هذا المشروع ، و علي الرغم من أنه ترك منصبه بمصر و طوحت به المناصب السياسية إلي مختلف الأقطار إلا أنه لا يفتأ يفكر في أمره .
و لمّا كان هذا المشروع هو الشغل الشاغل و موضع البحث و التفكير في أوروبا منذ أن كتب فيه المسيو لوبير بحثه ، فقد بعثت أوروبا إلي مصر بلجنة سنة ١٨٤٦ تضم خيرة مهندسيها لإعادة بحث و دراسة هذا المشروع ، و كان نتيجة بحثها و دراستها أن فرق مستوي البحرين ليس أمرًا ذا بال ، و رأت الوصل بينهما بشق ترعة تجتاز الدلتا .
و لما كان محمد علي باشا فطن و بعيد النظر و لديه نظرة شمولية و محيط بكافة الأمور السياسية الدولية خاصة صراع انجلترا و فرنسا علي احتلال مصر فقد رفض و عارض و أعرض عن مشروع القناة ، فقد توقع العواقب الوخيمة من ورائه ، فماطل اللجنة في عرضها حتي نهاية حكمه ، و كذلك فعل عباس الأول .
ثم كان تولي سعيد باشا الحكم بمثابة بشرة خير لفردينان ديليسبس ، كيف لا و هو صديقه القديم ، فأرسل إليه مهنئًا بإرتقاء العرش و أبلغه بعزمه علي الحضور ليقدم فروض التهاني ، فما كان من سعيد باشا إلا أن قبل التهنئة و استدعاه إلي مصر ، فحضر إلي الاسكندرية في نوفمبر ١٨٥٤ ، و كان ما كان من حفاوة الاستقبال ، بلغت ذروتها في اصطحاب سعيد باشا لديليسبس في رحلة حربية كان يسير فيه علي رأس جيش مؤلف من عشرة آلاف مقاتل من الاسكندرية إلي القاهرة عن طريق الصحراء الغربية .
أظهر ديليسبس مهارته في ركوب الخيل أثناء هذه الرحلة علي صهوة جواد أهداه له سعيد باشا ، إذ وثب به يومًا عن حاجز من الأحجار علي مرأي من قواد الجيش و الحاشية ، فنال الاعجاب و الاطراء علي مهارته و فروسيته ، فما كان منه إلا أن انتهز و استغل هذا الاعجاب و فاتح سعيد باشا في أمر مشروع حفر القناة مزينًا له أنه إذا وافق فسوف يخلد ذكره و يكتسب ثناء العالم بأثره ، فنزل الباشا عن وصايا أبيه في الاعراض عن حفر القناة و ضعف أمام ديليسبس و وافق علي المشروع ، و استدعي علي الفور قواده و وزرائه و عرض عليهم المشروع و كانوا متأثرين بالاعجاب بديليسبس فوافقوا تحت هذا التأثير دون أن يدرسوا أو يبحثوا و يوازنوا بين مضاره و مزاياه .
و هنا أتوقف قليلًا ، ما أشبه الليلة بالبارحة ، فها هو مشروع قناة السويس الجديدة الذي تعود فكرته لنهاية السبعينيات من القرن الماضي عندما طرحه المهندس حسب الله الكفراوي وزير الاسكان حينها علي الرئيس أنور السادات ، لكن المشروع لم يخرج إلي النور كذلك علي عهد الرئيس حسني مبارك ، حتي تقدمت جماعة الاخوان المسلمين في عام ٢٠١٢ بمشروع تنمية محور قناة السويس ضمن مشروعهم المسمي مشروع النهضة ، و لقد أعدوا العدة لتنفيذه في نهاية ابريل ٢٠١٣ ، ثم في فترة تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي أعلن هو في أغسطس ٢٠١٤ عن البدء في انشاء مجري ملاحي جديد لقناة السويس و الذي أفتتح في يوم ٦ أغسطس ٢٠١٥ في حفل أسطوري فخم شارك فيه نخبة من ملوك و زعماء العالم بدعوة من الرئيس السيسي ، ما هذا التشابه ؟! .
لنعود إلي تاريخ مشروع حفر قناة السويس ، ما هي إلا أيام بعد عودة سعيد باشا و ديليسبس من رحلتهما إلي القاهرة حتي منح ديليسبس بمقتضي العقد المؤرخ ٣٠ نوفمبر سنة ١٨٥٤ امتياز تأسيس شركة عامة لحفر قناة السويس ، و استثمارها لمدة ٩٩ سنة ابتداء من تاريخ فتح القناة للملاحة " ١٧ نوفمبر ١٨٦٩ " ، و هكذا نال ديليسبس بغيته التي كان يسعي لها منذ ثلاث و عشرين سنة .
و تتوالي الأحداث بين تأييد عثماني حذر من قبل السلطان العثماني ، و مساعي حثيثة لانجلترا لوقف تنفيذ هذا المشروع ، و مساندة فرنسية و تصميم الخديوي سعيد باشا حتي بدأ الحفر في ٢٥ ابريل سنة ١٨٥٩ بشروط مجحفة لم تنل منها الحكومة المصرية أي امتيازات سوي شراء سعيد باشا لعدد ١٧٧٦٤٢ سهمًا بما يقارب نصف مجموع الأسهم البالغ ٤٠٠٠٠٠ سهم ، و دفع جزءًا من ثمنها و قسط الباقي علي سنوات ، مما دفعه إلي بدء عهد القروض الأجنبية ، فكانت هذه البداءة نذير الكوارث المالية و الأحداث السياسية التي أصابت البلاد فيما بعد ، و مات سعيد باشا تاركًا دين يقدر ب ١١١٦٠٠٠٠ جنيه !! .
و يتولي اسماعيل باشا حكم مصر سنة ١٨٦٣ ، ليستكمل ما بدأه سلفه من حفر القناة ، فإتمام حفر القناة يرجع إلي تعضيد اسماعيل و رعايته ، فلولا اتجاه ارادة الخديوي اسماعيل إلي تعضيد المشروع و انفاذه لكان مصيره الحبوط لا محالة ، و لعجز ديليسبس عن المضي فيه ، و لعل اسماعيل أراد كما أراد سلفه أن يكسب ود و رضا الأوروبيين و ينال اطاراءهم و ثنائهم و الحصول علي لقب " فاتح القناة " !! ..
إلا أنه يحسب لاسماعيل باشا سعيه لتخفيف فداحة المزايا التي نالتها الشركة في عقد الامتياز ، و مما يؤثر أنه قال يومًا : " إني أريد أن تكون القناة لمصر ، لا أن تكون مصر للقناة " ، و لعله حصل علي ما يريد لكن بعد أن استنزف ما لا يطيقه من أموال علي سبيل التعويضات التي حكم بها نابليون الثالث امبراطور فرنسا في النزاع بين الحكومة المصرية و الشركة ، فكان نابليون الثالث الخصم و الحكم و هو الذي لجأ إليه اسماعيل ليحكم و يفصل في هذا النزاع ، فجاءت تلك التعويضات فادحة ، مما أرهق الخزانة المصرية الخاوية و أطلق يد اسماعيل في الاقتراض من البنوك و بيوت المال الأوروبية بشروط و فوائد مجحفة .
و انتهي العمل في حفر القناة و اتصلت مياه البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأحمر في نوفمبر سنة ١٨٦٩ ، و بلغ طول القناة ١٦٤ كيلو مترًا ، و أنشئت علي شاطئها مدينة بور سعيد و مدينة الاسماعيلية ، و أقام اسماعيل الحفلات الفخمة التي لم يعرف التاريخ احتفالا يدانيها في الاسراف و التبذير !! ..
مما لا شك فيه أن مصر قد خسرت خسران مبين جراء حفر قناة السويس ، فقد خسرت مصر في انشاء القناة من ثمن أسهمها في الشركة ، و ما بذلته لها من التعويضات ، و ما دفعته في انشاء ترعة الاسماعيلية ، و استرداد أطيان الوادي ، و نفقات حفلات القناة مبلغ ١٦٨٠٠٠٠٠ جنيه ، و هو مبلغ في ذلك الوقت لو تعلمون عظيم ، و لو تعلم أن نفقات انشاء القناة بأكملها بلغت بحسب احصاءات الشركة نحو ١٨٠٠٠٠٠٠ جنيه ، أدركت أن مصر احتملت وحدها معظم هذه النفقات ، إذًا لم تنل مصر من القناة أي فائدة ، بل عادت عليها بالوبال و الخسران ، إذ كانت مقدمة الاحتلال الانجليزي .
هذا و قد باع اسماعيل باشا أسهم مصر في القناة ، إذ عرضها علي فرنسا فترددت في الأمر ، فما كان من الحكومة الانجليزية إلا أن بادرت بشرائها حيث أن هذه الصفقة تعد فرصة سانحة لوضع يدها علي القناة ، فاشترتها بثمن بخس بلغ أربعة ملايين من الجنيهات الانجليزية ، و بهذه الصفقة أضاع اسماعيل علي مصر الميزة الوحيدة لها من مشروع القناة .
و نري الآن في الأفق تشابه آخر في الأحداث ، إذ أن الديون الخارجية تثقل كاهل الحكومة المصرية ، بعد أن اقترضت مبالغ طائلة ، فوفق تقرير البنك المركزي المصري لشهر سبتمبر ٢٠٢٢ وصل حجم الدين الخارجي للبلاد نحو ١٥٧,٨ مليار دولار ، و هو ما يعني أنه زاد بنحو خمسة أضعاف مقارنة بالفترة قبل عشر سنوات حيث بلغ عام ٢٠١٢ نحو ٣٤,٤ مليار دولار ، فقد بالغت الحكومة في الانفاق علي مشروعات ضخمة في آن واحد ، أهمها علي سبيل المثال مشروع انشاء العاصمة الادارية الجديدة ، و مشروع انشاء مدينة العلمين الجديدة ، و قطارات كهربائية سريعة و منوريل ، في حين أن البلاد كانت في حاجة إلي مشاريع انتاجية تدر و تعود علي البلاد بالأرباح و المكاسب .
فإذا ما سرنا في اتجاه بيع أصول و ممتلكات الشعب و البلاد ، و هو ما حصل بالفعل حتي أن البيع قد يطال قناة السويس حاليًا ، فمما لا شك فيه أننا قد نذهب إلي مرحلة الاستعمار و الاحتلال علنية .
و يبقي سؤال الافتتاحية ، هل كان مشروع حفر قناة السويس أعظم خدمة قدمتها مصر للانسانية و الحضارة ، أم أن هذا المشروع كان مصدر شؤمًا علي البلاد و استقلالها ؟!! ..
و في النهاية وجب أن نشير إلي أننا اعتمدنا علي كتاب " عصر اسماعيل " الجزء الأول للكاتب عبد الرحمن الرافعي رحمه الله كمصدر أول لما ورد من معلومات في مقالنا هذا ، و الذي بدوره اعتمد علي أمهات الكتب و المراجع كمصدر لكتابه القيم ، و كان محرك البحث جوجل علي شبكة الانترنت هو مصدر معلوماتنا الثاني ، و لله الحمد .

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق رامي جاد يكتب ... النابغة قاهر الإعاقة
التالى محـمـد عـبد الحمـيد يكتـب +18

 
Get new posts by email: