عاصم صبحي يكتب....كنت في القاهرة

عاصم صبحي يكتب....كنت في القاهرة
عاصم صبحي يكتب....كنت في القاهرة
لطالما زرت تلك المدينة العامرة مرات و مرات ، فمنذ نعومة أظافري و أنا أزورها ، أنا السكندري المولد و المنشأ و الهوي ، أثرتني تلك القاهرة ، طفلا و شاباً و رجلًا ناضجًا ، زرتها و طفت بها ، فتحت عيني علي وسطها التاريخي الخديوي ، فإنجذبت بكل حواسي ، و تعلق بصري بتلك المباني أو قل القمم المتجلية في هذا الوسط العريق ، زكم أنفي عبق التاريخ المنبعث من كل ركن فيه ، من المباني و الحوانيت ، من الرصيف و أتربته ، من بين الناس المترجلة بين جنباته ، صاحبني هذا الإحساس و الانطباع حتي تاريخه ، فبينما أنا أكتب الآن واصفًا يعجز العقل عن إيجاد كلمات معبرة جامعة شاملة واصفة لهذا الإحساس و الشعور ، و الذي يتجدد كلما وطئت قدماي أرض القاهرة . أشبهها بالقرءان ، فالقرءان كلما قرأت فيه تجد فيه الجديد ، و ما أن تختمه حتي تبدأه من جديد ، كذلك هي القاهرة كلما زرتها لابد أن تجد الجديد ، حتي و إن زرت المكان الواحد مرات و مرات . و لا أدعي معرفتي بكافة أركانها ، فحتي قاطنيها ليسوا علي علم بكافة أحيائها و شوارعها و حواريها و عطفاتها ، لكنني في كل مرة يكتب لي زيارتها أحرص علي استكشاف ما تيسر لي مما هو جديد بالنسبة لي ، حتي و لو شارع جديد في منطقة جديدة . من رمسيس لشبرا ، و من شبرا للعتبة و الموسكي و الحسين و الأزهر ، الجمالية و الغورية و القلعة ، أمشي منفردًا ، أكاد أتعثر في خطواتي ، فنظري معلق بالمباني ، و عقلي شارد سابح بين طيات تاريخها ، فلا أعطي اهتمام لأين أضع قدماي و لأين تسير خطواتي . و من التحرير أنطلق ، فأرسو في مصر الجديدة أو مدينة نصر ، أو الهرم و فيصل و الطالبية ، و قد أجد نفسي فيما لا أعلم له اسم و لا رسم ، لكنني لا أضل الطريق ، و البركة في السيارات الأجرة " التاكسي " أو مترو الأنفاق . حتي التجمعات الجديدة لم تسلم من زياراتي ، و علي الرغم من رقيها لكنها لم ترق لي ، لم أستسيغها ، فبعضها كالمولود الجديد ، و البعض الآخر يمر بفترة مراهقة ، يحتاجون للرعاية و التوجيه حتي ينشّأوا علي غرار أجدادهم ، لكن هيهات ، فالفارق عظيم ، و المجهود المطلوب بذله أعظم ، قد تستمتع في تلك التجمعات بعض الوقت لكن بالتأكيد ليس كل الوقت . كانت وجهتي في هذه الزيارة ، و التي مضي عليها أسبوعين ، وجهة جديدة عليّ تمامًا ، إذ كان عليّ أن أزور معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته ال ٥٥ ، و ذلك لتدشين اصداري الثاني " أحوال العباد في رقعة من البلاد " ، و بالطبع التجول بين صالات المعرض الفسيحة . حللت ضيفًا علي صديق تربطني به علاقة أكثر من مجرد صداقة ، فهو جار لي في سكني بالأسكندرية ، نشأنا سويًا فصرنا أخوة ، و لا نزال علي هذه الأخوة حتي الآن ، نزلت ضيفًا عليه في مسكنه بمصر الجديدة شارع صلاح سالم ، في حضن أكثر المناطق أمنًا بالقاهرة ، انطلقت من هذه البقعة المباركة إلي أنحاء شتي ، أولها كان المعرض ، و كان ذلك في ثالث أيام المعرض ، كان يوم جمعة ، غادرت الأسكندرية ليلة الخميس في أجواء شتوية ممطرة ، فاصطحبتني تلك الأجواء السكندرية إلي القاهرة ، علي غير المتوقع ، حتي أن صديقي قال لي " جيت و جبت معاك الشتا " ، ذهبت إلي معرض الكتاب نشيطًا متفائلًا بتلك الأجواء و زخات المطر المنعشة ، هالني مساحة المعرض ، و أسعدني كم الحاضرين ، من كل حدب و صوب ، من مختلف الأعمار ، أسر و فرادي ، مصريين و أجانب ، وجوه سعيدة مبتسمة فرحة ، كأنه يوم عيد . بدأت بصالة واحد ، و هي التي بها جناح دار النشر التي تولت طباعة و نشر كتابي السابق ذكره ، تجولت بين مختلف دور النشر قبل أن أتوجه و أصل إلي الدار المقصودة ، اشتريت في طريقي كتابان ، وصلت إلي مبتغاي ، مكثت غير قليل ، التقيت بالمسئول عن الدار ، شخصية محترمة لها كل التقدير ، أقبل الزائرون ، شابة في مقتبل العمر اشترت كتابي ، وقعته لها و التقطنا صورة سويًا ، كانت في غاية السعادة كونها قابلت الكاتب شخصيًا و وقع لها علي نسختها ، و قد كنت أسعد منها بها . انطلقت معاودًا جولتي بين جنبات المعرض ، اشتريت المزيد من الكتب ، ختمت يومي الأول عند غروب الشمس ، ذهبت لملاقاة صديق آخر ، كان زميل دراسة بالأسكندرية ، فهو صديق عمر أيضًا ، ضرب لي موعد بأحد أكبر المراكز التجارية و أفخمها بالقاهرة ، لم يكن ذلك المركز ببعيد عن منطقة المعرض ، قابلته ، و الأجواء الشتوية الممطرة مستمرة و ممتعة ، مما جعلني في غبطة ، أمضينا وقتًا ممتعًا في أجواء فخمة ، ثم تفضل مشكورًا بتوصيلي لأقرب مكان أنطلق منه عائدًا إلي مقر إقامتي ، فكان ذلك المكان علي طريق يقع بين مدينة الرحاب و مجموعة من أفخم التجمعات السكنية " كومباوند " ، كان في نيتي استدعاء سيارة أوبر ، أو أن أستقل سيارة أجرة تاكسي ، هذا إن لم يسعفني هاتفي المحمول حيث أنه أوشك أن يفصل شحن ، لكني وجدت وسائل مواصلات " ميكروباص " ، فقررت أن أخوض التجربة ، سألت سائق الميكروباص " منين بيروح فين " ، رد " انزل السلام و من هناك لرمسيس عن طريق صلاح سالم " ، و هو المطلوب ، ركبت معه و نزلت السلام ، موقف عام كبير ، شعبي بالدرجة الأولي ، فإذا بي بصدمة مهولة ، من أفخم المراكز التجارية وسط علية القوم ، لموقف ميكروباصات وسط ولاد البلد ، و هم الغالبية ، يا لها من نقلة رهيبة ، سمعيًا و بصريًا ، انطلقت و تعاملت ، و اشتريت فاكهة و ركبت ميكروباص آخر ، و كنت في غاية السعادة ، و الأجواء الممطرة مستمرة مما زاد السعادة سعادة . في منتصف الليل ، انطلقت و مضيفي سيرًا علي الأقدام في شوارع مصر الجديدة ، ميدان سانت فاتيما ، بحثًا عن وجبة عشاء ساخنة ترم العظم في هذه الأجواء القارسة ، جولة ليلية ممتعة ، هناك حركة و اقبال علي المقاهي و المطاعم ، تناولنا فرخة مشوية بإحدي المطاعم ، ثم توجهنا إلي " عدنان " للآيس كريم ، بناءًا علي نصيحة صديقي ، تناولت الآيس كريم ، و هو فضل الكسكسي الساخن ، ثم عدنا أدراجنا . في اليوم التالي ، انطلقت عائدًا لجولة أخري بالمعرض ، مبكرًا بعض الشئ عن اليوم السابق ، و برودة الطقس مستمرة ، تجولت بصالات المعرض التي لم أزرها بالأمس ، أمضيت أغلب الوقت بجناح سور الأزبكية ، بحثًا عن القديم النادر من الكتب ، علي أمل أن تكون أسعارها في المتناول ، لكن أمل ذهبت مع عمر بغير رجعة ، فأسعار القديم ارتفعت كما الجديد ، حتي أنني وجدت كتاب تاريخ قديم نادر ، يعود تاريخ طباعته و اصداره لثلاثينات القرن الماضي ، أثرني الكتاب و نويت شرائه ، لكن عند سؤالي عن سعره ، تراجعت فورًا ، فالسيد البائع الكريم عد الكتاب تحفة أثرية أكثر منه كتاب ثقافي ، فبالغ في سعره ، و هو الكتاب و ليس بموسوعة ، كتاب لم تتعد صفحاته الثلاثمائة صفحة ، طلب فيه البائع ٨٠٠ جنيه !! ، تركته آسفًا علي حظي و حظ الكتاب المسكين الذي سيظل حبيس لدي هذا البائع الجشع . قبل أن أغادر أرض المعرض ، بحثت عن المأكل " تصبيرة " ، لم يكن شئ صعب المنال ، فساحة الطعام موجودة ، و بها ما لذ و طاب ، بحثت عن مكان وسط الزحام ، فالساحة علي وسعها شديدة الزحام ، فترة راحة لابد منها لالتقاط الأنفاس ، و لراحة القدمين من ثم معاودة التجول بين صالات المعرض . عدت أدراجي ، قضيت ليلتي كمثيلتها السابقة ، علي أن أعود للأسكندرية يوم الأحد ظهرًا ، و قد كان ، لكن بعد جولة سريعة بين العتبة و الموسكي ، بهدف التسوق و التجول بعض الشئ في هذه المنطقة المحببة إلي قلبي . استقبلتني الأسكندرية ليلًا بجوها البارد المنعش الممطر ، حاملًا انطباعًا مميزًا و ذكريات سعيدة ، فقد كانت رحلة ممتعة بكل المقاييس ، معرض ممتاز ، في مكان بعيد نسبيًا ، لكن توفرت له كل سبل الراحة ، فقد مدت له خطوط مواصلات من كل حدب و صوب ، اقبال واحتكاك بناس زائرين ، التعرف و مقابلة شخصيات صديقة افتراضيًا ، ألتقي بها لأول مرة ، سعدت بلقائهم أيما سعادة ، كتابي و الحمد لله لاقي استحسان و اقبال ، تزودت ببعض ما قسمه الله لي من كتب قيمة بأسعار مناسبة ، متطلعًا لمعرض جديد للكتاب و زيارة قريبة إن شاء الله لكن علي أرض الأسكندرية ، عازمًا الأمر علي مشاركتكم تلك الجولة بتفاصيلها ، لعلها تكون مشجعة و محفذة لكم كي تنطلقوا في جولات مثلها في ربوع مصر ، مجددين نشاطكم ، و مضيفين لذكرياتكم ذكريات جديدة ، و معارف و صداقات جديدة ، ثقافة مضافة تثري عقولكم و تنميها و تزيدكم نضوجًا علي نضوجكم ، و إلي لقاء قريب إن شاء الله في حديث بيني و بينكم .

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى ثورة 30 يونيو.. 13 عامًا من استعادة الدولة وبناء الجمهورية الجديدة

معلومات الكاتب

 
Get new posts by email: