منذ أكثر من سبعة عقود، والقضية الفلسطينية تحتل مكانة مركزية في وجدان الشعب المصري، ليست باعتبارها أزمة سياسية فحسب، بل باعتبارها قضية مصير وأمن قومي وهوية عربية. لم تكن فلسطين بالنسبة للمصريين أرضًا بعيدة أو شأنًا خارجيًا، بل جرحًا غائرًا في جسد الأمة، وجزءًا من عقيدتهم الوطنية التي ترى أن أمن القاهرة يبدأ من أسوار القدس. ارتبطت مصر بفلسطين قبل قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي بعقود طويلة، فقد كان الوعي الوطني المصري في ثورة 1919 يشمل فكرة التحرر العربي الكامل، وكانت الصحف المصرية في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي تنشر أخبار التهديد الصهيوني للأرض الفلسطينية، وتدعو للتصدي له. وجاءت لحظة 1948 لتكون نقطة التحول الكبرى، حيث أرسل الملك فاروق الجيش المصري ليشارك في حرب فلسطين، وخاض الجنود المصريون معارك شرسة في النقب وغزة والفالوجة، ودُفن شهداؤهم في مقابر ما زالت شاهدة حتى اليوم على وحدة الدم والمصير. و لم تتوقف مصر عن دعم الفلسطينيين حتى في أحلك الظروف. ففي حرب 1956 واجهت مصر العدوان الثلاثي (بريطانيا، فرنسا، إسرائيل) دفاعًا عن سيادتها ودعمًا للقضية الفلسطينية. أما في حرب 1967 فقد كان جزء من أهداف إسرائيل احتلال أراضٍ عربية من بينها القدس الشرقية وغزة، وهو ما رسّخ لدى المصريين أن معركتهم لا يمكن أن تنفصل عن فلسطين. ثم جاء العبور العظيم في أكتوبر 1973 الذي اعتبره العرب جميعًا، وفي مقدمتهم الفلسطينيون، لحظة استعادة للكرامة، حيث كسر الجندي المصري أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر” وفتح الطريق لإعادة التوازن في الصراع العربي الإسرائيلي. و مع توقيع اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية في أواخر السبعينيات، تحوّل الدور المصري من المواجهة العسكرية المباشرة إلى العمل السياسي والدبلوماسي المكثف. ورغم الانتقادات، فإن مصر استخدمت هذا الموقع لتكون الوسيط الأكثر تأثيرًا بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ساعية لوقف إطلاق النار وتثبيت الهدن في كل مواجهة كبرى، بدءًا من الانتفاضة الأولى عام 1987، مرورًا باتفاق أوسلو، وصولًا إلى الحروب المتتالية على غزة. ومن القاهرة انطلقت مبادرات المصالحة بين الفصائل الفلسطينية، ومن معبر رفح عبرت رسائل الدعم الإنساني، ومن قاعات وزارة الخارجية المصرية خرجت بيانات تؤكد أن فلسطين ليست ورقة تفاوض، بل قضية وجود. لم تغب مصر عن أي قمة عربية أو اجتماع دولي يدافع عن حق الفلسطينيين. فمن الأمم المتحدة إلى مجلس الأمن، كانت القاهرة تؤكد أن القدس الشرقية عاصمة أبدية لدولة فلسطين، وأن حل الدولتين هو السبيل العادل لإنهاء الصراع. وفي القمم الطارئة كان صوت مصر واضحًا: لا سلام دون استرداد الحقوق الفلسطينية كاملة، ولا استقرار في الشرق الأوسط دون حل عادل للقضية. و تدرك مصر أن معاناة الفلسطينيين ليست فقط سياسية، بل إنسانية في المقام الأول. لذلك، ومع كل عدوان على غزة، كانت قوافل المساعدات المصرية تسبق التصريحات السياسية، حاملة الأدوية والأغذية وفرق الإغاثة. المستشفيات المصرية في العريش والإسماعيلية والقاهرة فتحت أبوابها لاستقبال الجرحى الفلسطينيين، وأطباء مصر تطوعوا لعلاجهم. أما معبر رفح فقد كان شريان الحياة الذي يربط غزة بالعالم، تحت إدارة وإشراف مصري حريص على كسر الحصار وتخفيف المعاناة. و تشير الوثائق العسكرية إلى أن أكثر من ألف جندي مصري سقطوا في حرب 1948 وحدها، دُفن بعضهم في مقابر غزة والفالوجة. وخاض الجيش المصري أكثر من أربعين معركة مباشرة داخل الأراضي الفلسطينية بين عامي 1948 و1973، من أبرزها معارك غزة والنقب والفالوجة. ومنذ تسعينيات القرن الماضي وحتى اليوم، رعت مصر ما يزيد عن خمس عشرة جولة مفاوضات فلسطينية-إسرائيلية، إلى جانب ثماني جولات مصالحة فلسطينية داخلية بين حركتي فتح وحماس، كان آخرها في القاهرة عام 2023. وفي مجال الإغاثة، أرسلت مصر في عدوان 2014 على غزة أكثر من خمسمائة طن مساعدات طبية وغذائية عبر معبر رفح، وفي عدوان 2021 سيرت مائة وثلاثين شاحنة مساعدات خلال أسبوع واحد، أما في عدوان 2023 فقد دخلت قوافل مصرية تضم مائتي شاحنة يوميًا محملة بالمواد الإغاثية. كما استقبلت المستشفيات المصرية منذ عام 2008 أكثر من عشرة آلاف مصاب فلسطيني لتلقي العلاج. و اليوم، ومع استمرار الاحتلال وتدهور الأوضاع في الضفة الغربية والقدس وتكرار العدوان على غزة، تظل مصر على العهد، توازن بين دعم المقاومة المشروعة للشعب الفلسطيني والدعوة لحل سياسي شامل وعادل. القضية الفلسطينية ستظل في قلب مصر، من مقاعد المدارس حيث يدرس الأطفال عن القدس، إلى شاشات الإعلام التي تبث صور التضامن، إلى قرارات الدولة التي تضع فلسطين في أولوياتها. فمصر، التي روت دماء أبنائها أرض فلسطين، لا تزال حتى اليوم تحرسها بقلوب أبنائها ودبلوماسية قادتها، وستظل إلى أن يتحقق الحلم برفع الأذان حرًا من فوق مآذن القدس الشريف. و منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، ساهمت مصر بما يزيد عن 70% من إجمالي المساعدات الإنسانية التي وصلت إلى غزة، حيث أُرسلت قوافل تضم أكثر من مائة شاحنة محملة بما يزيد عن ألف ومائتي طن من الإمدادات الغذائية والطبية، ودخلت عبر المعابر المصرية أكثر من خمسة وثلاثين ألف شاحنة تحمل ما يقارب نصف مليون طن من المساعدات المختلفة، بما في ذلك الغذاء والمياه والوقود والمستلزمات الطبية. وخلال العدوان الأخير، بلغ متوسط دخول المساعدات اليومية نحو ثلاثمائة وعشرين شاحنة، إضافة إلى ناقلات وقود وإمدادات جوية. على الصعيد الإنساني، دخل إلى مصر منذ أكتوبر 2023 ما يزيد على مائة ألف لاجئ فلسطيني من غزة، بينهم آلاف الطلبة والمرضى، وقد استقبلت المستشفيات المصرية أكثر من أربعة وأربعين ألف مصاب ومرضى بأمراض مزمنة لتلقي العلاج. في ملف إعادة الإعمار، أطلقت مصر خطة طموحة تتجاوز قيمتها ثلاثة وخمسين مليار دولار لإعادة بناء غزة بحلول عام 2030، تشمل تطوير البنية التحتية، وبناء ميناء ومطار، ومشروعات إسكان وخدمات أساسية، مع التأكيد على بقاء السكان في أراضيهم وعدم تهجيرهم. دبلوماسيا، تقود مصر بقيادة فخامة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي جهودا متواصلة لوقف إطلاق النار وتثبيت الهدنة، بالتوازي مع دعم الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وضمان تدفق المساعدات. وفي ظل الأوضاع الصعبة في غزة، شهدت الأشهر الأخيرة تراجعًا حادًا في كميات الغذاء التي تصل إلى القطاع، وهو ما يزيد من الضغوط الإنسانية ويجعل دور مصر في الإغاثة أكثر أهمية من أي وقت مضى.
