العفو عن العقوبة " الجذور التاريخية وتطور المفهوم "

العفو عن العقوبة " الجذور التاريخية وتطور المفهوم "
العفو عن العقوبة   " الجذور التاريخية وتطور المفهوم "
لقد اتخذت العقوبة قديماً أشكالاً متعددة ، ما بين القسوة والشفقه ، القوة والضعف ، الشدة واللين ، العنف والرفق . . ففي البداية ، كان للعقوبة ذات طابع اجتماعي ، يميز بين الأحرار والعبيد . . ثم سرعان ما اتخذت طابعاً دينياً يعتمد على مبدأ الثواب والعقاب ، ثم طابعاً سياسياً يهدف إلى تحقيق الردع العام . . حينما كانت القسوة والشدة والضغط من أشكال العقوبة ، كان الهدف في ذلك الوقت هو العذاب نفسه ، كما يظهر في القوانين القديمة مثل قانون مانو الهندي والشرائع الصينية القديمة ، والتي كانت تفرض الإعدام على السارق إذا تكرر السرقة للمرة الثالثة ، كما في قانون حمورابي ، الذي اشتمل أيضاً على عقوبات مشددة لجرائم النصب والغش والاحتيال . . كما كانت العقوبة تختلف أحياناً بحسب الفروق الاجتماعية بين الأحرار والعبيد ، ففي قانون حمورابي ، إذا حطم رجل حر أسنان شخص آخر ، يُفقد أسنانه ، ويكتفى بدفع ثلث كيل من الذهب إذا كانت الضحية أقل مرتبة منه . . ثم اتخذت العقوبة طابعاً دينياً ، حيث أصبحت الجريمة عصياناً دينياً ، يقبل الأفراد جزاءها مهما بلغت وقسوته ، كما في مصر القديمة والعبرانيين . . بعد ذلك ، اتخذت العقوبة طابعاً سياسياً ، حيث رأى فقهاء الرومان أن للعقوبة وظيفة إضافية إلى جانب الردع ، وهي تقويم الجاني وإصلاحه وإعادته للمجتمع. وعرف علماء الفقه الجنائي العقوبة بأنها : " جزاء يقرره القانون ويوقعه القاضي على من تثبت مسؤوليته عن فعل جريمة، ليصيب به المتهم في شخصه أو ماله " " أو أنها " قدر مقصود من الألم يقرره المجتمع ممثلاً في المشرع ليوقع كرهاً على من يرتكب جريمة بمقتضى حكم قضائي " وقد قسم المشرع المصري العقوبات إلى ثلاثة أنواع بحسب جسامة الجريمة : الجنايات ، الجنح ، والمخالفات ، ولكل نوع مقدار محدد ، فالأشد هو الإعدام ، والأقل هو الغرامة . . ومع ذلك ، عرف معظم المجتمعات والحضارات القديمة ، سواء الإغريقية أو اليونانية أو الرومانية ، نظام العفو عن العقوبة وقد طبق القانون الفرنسي القديم العفو الشامل تحت مصطلح " الإبطال " ، ثم ظهر في القرن الثامن عشر مصطلح العفو الشامل كإجراء قانوني تستعمله السلطة العامة في أوقات الاضطرابات الاجتماعية والسياسية لتحقيق التعايش السياسي والاجتماعي والعفو إما أن يكون خــاص أو عـــام : أولاً : العـــفو الخـــاص : هو ما يُمنح لشخص أو أشخاص معينين بأسمائهم ، ويصدر غالباً عن رئيس الدولة . . يركز هذا النوع على المستوى الجنائي للفعل ويزيل العقوبة كلياً أو جزئياً ، أو يستبدلها بعقوبة أخف حسب ما ينص عليه قرار العفو . . قرار العفو الخاص لا يمس حكم الإدانة ولا العقوبات الإضافية أو التدابير الوقائية إلا إذا نص القرار على خلاف ذلك . . يشترط في العفو الخاص أن يصدر بعد أن يصبح الحكم بالإدانة نهائياً وغير قابل للطعن بالطرق العادية أو غير العادية ، وذلك لأن الحكم قبل صيرورته نهائياً قد يُخفف أو يُلغى. الحكمة من إصدار العفو الخاص متنوعة ، فقد يكون وسيلة لإصلاح الأخطاء القضائية ، أو للتخفيف من عقوبة قاسية ، أو لتحقيق أهداف سياسية أو اجتماعية . . ثانياً : العفو الشامل ( العفو العام ) هو إجراء تشريعي يهدف إلى إزالة الصفة الإجرامية عن الفعل ، بحيث يصبح كالأفعال المباحة قانونياً ، ويشمل محو الجريمة وعقوبتها ، سواء قبل رفع الدعوى أو بعد صدور الحكم ، ويوقف جميع إجراءات الدعوى . . العفو الشامل يؤدي إلى محو الجريمة والعقوبة الأصلية وكل العقوبات الإضافية والتدابير الوقائية ، دون المساس بحقوق المتضررين إلا إذا نص على خلاف ذلك . . أسباب العفو الشامل قد تتضمن : 1 - ظروف سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية تقتضي طبيعة جديدة للأحكام محل العفو . . 2 - القضاء على تراكم القضايا الجنائية في المحاكم التي طال أجلها . . 3 - العفو عن المعتقلين في جرائم سياسية . . والعقوبة ليست مجرد نص قانوني ، والعفو ليس مجرد قرار سياسي . . . فكلاهما في جوهره يعكس رؤية المجتمع للعدالة . . وبعد أن استعرضنا التطور التاريخي للعقوبة وأنواع العفو ، سننتقل في المقال القادم إلى تناول الإطار الدستوري للعفو في مصر ، وما يتمتع به رئيس الجمهورية من صلاحيات في هذا الشأن ، وفقاً للدستور والقانون والقضاء الدستوري . .

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى عزيزة نبيل تكتب: فجوة الاحتياجات: دوافع البحث عن الإشباع العاطفي والمادي خارج الإطار الأسري

معلومات الكاتب

 
Get new posts by email: