الباحث والكاتب / أسامة شمس الدين يكتب: العفو عن العقوبة بين السلطة المطلقة والضوابط الدستورية في الحقبة الملكية

الباحث والكاتب / أسامة شمس الدين يكتب: العفو عن العقوبة بين السلطة المطلقة والضوابط الدستورية في الحقبة الملكية
الباحث والكاتب / أسامة شمس الدين يكتب: العفو عن العقوبة بين السلطة المطلقة والضوابط الدستورية في الحقبة الملكية

 

في كل دولة حديثة تُعد العقوبة تجسيداً لفلسفتها القانونية ومقياساً لمدى التزامها بسيادة القانون وحقوق الإنسان. غير أن السلطة في العفو عن العقوبة تبقى من أكثر السلطات حساسية في البناء الدستوري، إذ تقف على الحد الفاصل بين العدالة والرحمة، وبين استقلال القضاء وصلاحيات السلطة التنفيذية. ومن ثم فإن دراسة تطور نظام العفو في الدساتير المصرية ليست مجرد بحث قانوني، بل هي قراءة عميقة في كيفية تشكل الدولة الحديثة، وتحول موازين القوى بين الملك والبرلمان والقضاء عبر التاريخ. وقد شهدت مصر قبل ثورة 1952 مرحلة تأسيسية مهمة في رسم ملامح هذه السلطة، حيث وضعت دساتيرها الأولى القواعد الأولى التي حكمت ممارسة العفو، وخلقت توازناً - أحياناً هشاً - بين إطلاق يد الملك في بعض صور العفو وتقييده في أخرى. ومن هنا تأتي أهمية العودة إلى تلك الحقبة، ليس بوصفها مجرد تاريخ، بل باعتبارها الأساس الذي تطورت فوقه النظم الدستورية اللاحقة. تناولنا في المقال السابق مفهوم العقوبة وتطور أهدافها عبر التاريخ، وكيف انتقلت من كونها وسيلة للانتقام وإيقاع الأذى إلى وسيلة لإعادة التأهيل وتحقيق الردع العام والخاص. وفي خضم هذا التطور التاريخي برز حق العفو عن العقوبة كجزء من أدوات السياسة الجنائية، ثم تطرقنا إلى التمييز بين العفو الخاص والعفو الشامل. وانطلاقاً من ذلك نتناول في هذا المقال موقف الدساتير المصرية من حق العفو عن العقوبة عبر ثلاث حقب تاريخية فارقة: 1- مرحلة ما قبل ثورة 1952، 2- مرحلة ما بعد ثورة 1952، 3- ما بعد ثورتي يناير 2011 ويونيو 2013. ونخصص هذا المقال للمرحلة الأولى لأهميتها التأسيسية في التاريخ الدستوري المصري. أولاً: الحقبة الأولى – التأسيس الدستوري لحق العفو في دساتير الملكية قبل ثورة يوليو 1952 صدر قبل الثورة دستوران رئيسيان: دستور 1923 ودستور 1930. ويُعد كلاهما نتاجاً طبيعياً للحراك الوطني والكفاح الدستوري، كما أنهما يكادان يتطابقان في أحكام العفو، مما يجعل دراسة دستور 1923 كافية لإدراك الأساس الدستوري لهذا الحق، مع ملاحظة أن قانون العقوبات لعام 1904 كان له السبق فى بعض جوانب العفوعن العقوبة. وقد تناول دستور 1923 حق العفو في ثلاث حالات رئيسية: العفو بصفة عامة، والعفو عن الوزراء، والعفو الشامل. 1- العفو بصفة عامة: وهو ما نصت عليه المادة 43 من الدستور بقولها : الملك ينشئ ويمنح الرتب المدنية والعسكرية والنياشين وألقاب الشرف الأخرى، وله حق سك العملة تنفيذاً للقانون، كما أن له حق العفو وتخفيض العقوبة." يتضح أن النص منح الملك سلطة واسعة غير مقيدة في العفو أو تخفيض العقوبة، وهو ما يعكس اتساع نطاق السلطة التنفيذية في النظام الملكي. 2- العفو عن الوزراء: بعد إطلاق سلطة الملك فى المادة (43) ، عاد الدستور ليقيد تلك السطلة فى المادة (72) حينما يتعلق الأمر بالوزراء.،والتى نصت على: "لا يجوز العفو عن الوزير المحكوم عليه من مجلس الأحكام المخصوص إلا بموافقة مجلس النواب." وهنا يظهر أن العفو عن الوزراء لا يكون منفرداً من الملك، بل يتطلب موافقة مجلس النواب، وذلك لأن الدستور منح في المادة 66 مجلس النواب وحده حق اتهام الوزراء بجرائم وظيفية. كما تم تنظيم محاكمة الوزراء أمام المجلس المخصوص المكوّن من قضاة وأعضاء مجلس الشيوخ، وتصدر أحكامه بأغلبية اثني عشر عضواً، وفتح الدستور في المادة 68 الباب لتجريم أفعال تقع من الوزراء خارج نطاق قانون العقوبات. 3- العفو الشامل: وقد نصت عليه المادة 152 بقولها "العفو الشامل لا يكون إلا بقانون." والعفو الشامل يختلف جذرياً عن العفو الخاص، إذ يرفع التجريم ذاته عن الفعل، ويمحو الجريمة والعقوبة معاً، وإخضاعه للقانون يعني أنه حق أصيل للسلطة التشريعية، رغم أن رئيس الدولة يمتلك حق اقتراح القوانين، وقد كرر دستور 1930 هذه الأحكام دون تغيير جوهري. ويستنتج من ذلك أن دستور 1923 أقام ثلاثة مستويات لسلطة العفو: - سلطة واسعة للملك في العفو وتخفيض العقوبة. - سلطة مقيدة في حالة الوزراء، مشترطةً موافقة البرلمان. - سلطة تشريعية خالصة في العفو الشامل، لا تُمارس إلا بقانون. وهكذا مثّل هذا الدستور اللبنة الأولى في بناء نظام العفو في مصر، ووضع التمييز الضروري بين أنواع العفو ومصادر السلطات التي تملك كل نوع. تكشف قراءة الدساتير الملكية قبل ثورة يوليو أن سلطة العفو لم تكن مجرد حكم دستوري، بل كانت مرآة لطبيعة النظام السياسي القائم آنذاك. فقد جمع الملك بين يديه سلطة واسعة في منح العفو وتخفيض العقوبة، بينما حاول الدستور جاهداً - وإن بحدود - إحداث توازن من خلال دور البرلمان في محاكمة الوزراء والعفو عنهم، وإسناد العفو الشامل للسلطة التشريعية وحدها. لقد أرست هذه الحقبة الأسس الأولى لفلسفة العفو في مصر، ويبقى التطور التاريخي لهذه السلطة سؤالاً مهماً لفهم العلاقة بين الدولة والمواطن، وبين العدالة والرحمة، وبين القانون والسياسة. وفي المقال القادم نواصل رحلة البحث في حقبة ما بعد ثورة 1952 وما حملته من تغيرات دستورية جوهرية في تنظيم سلطة العفو. كاتب وباحث قانوني أسامة شمس الدين

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى العفو عن العقوبة في مصر: من التنظيم التشريعي الى التنظيم الدستوري (٢)

معلومات الكاتب

 
Get new posts by email: