لم تُثِر كلماتُ الفنان محمود حميدة عن الإسكندرية ضجيجًا لأنها جديدة أو صادمة في ذاتها، بل لأنها قيلت بصوتٍ واضحٍ في لحظةٍ ظنَّ فيها كثيرون أن المدينة أصبحت بمنأَى عن هذا النوع من التوصيف. قال الرجل عبارته ببرودةٍ لافتة، فانتقلت من مقعدٍ في ندوةٍ ثقافيةٍ إلى حديث الناس، حيث يرى الفنان أن الإسكندرية لم تعد تلك العروس التي عرفناها، بل مدينة أثقلها الزمن حتى بدت - في رأيه - كركوبة أنهكها الإهمال وتناوبت عليها الندوب. ولمَّا وصلت العِبارة إلى الأسماع، لم تصل وحدها؛ وإنما حملت معها رغبة دفينة في أن تُعاد قراءة المدينة من جديد. فالمدن، كما يعرف العارفون، لا تُجرح ببساطة، ولا تستجيب للمديح بسهولة، بل تعيش بين طرفين: بين ما تظنه عن نفسها، وما يراه الخارجون عليها. والإسكندرية - وليس سرًّا - مدينة ذات ذاكرة أكبر من عُمْرِ كثيرٍ من أهلها؛ ذاكرة تَهِبُها وهجًا لا يخبو، وجرحًا لا يلتئم. مدينة إذا مررتَ على شريطها القديم، رأيتَ وجوهًا وشوارعَ ومقاهٍ وأسماءً صُنِعَت ببطء، ثم أصبحت جزءًا من الزمن. وحين تأتي كلمة ككلمة حميدة، فإنها لا تسقط على رصيف المدينة سقوط حجر، بل سقوط مرآة: تلتقط ما تجاهلته العيون طويلًا. لم يكن اعتراض الناس على قسوة المُفرَدةِ فحسْب، بل على الجرأة في نطقها، فالإسكندرية ليست عند أهلها مجرد مكان يعيشون فيه؛ إنّها ذاكرة مفتوحة وباب لا يُغلَق، وسرير طويل ينام عليه البحر، فمَن ذا الذي يجرؤ أن يعلِّق على جبين المدينة كلمةً بهذه القسوة؟.. لكن السؤال الأعمق الذي حاول كثيرون التهرب منه كان مختلفًا تمامًا: لماذا هزّتنا الكلمة؟، هل لأننا متيقّنون من بطلانها؟، أم لأننا سمعنا فيها ما كنَّا نخشى أن يُقال؟. وليس نافيًا للحقيقةِ القول بأن بعض الغضب كان دفاعًا عن صورةٍ أكثر منه دفاعًا عن مدينة، فالصورة التي تُعرض على الشاشات، وتُكتب على البطاقات، وتُردَّدُ في الأغاني، لا تشبه المدينة حين تقف عند الثالثة بعد الظهر على أحد شوارعها الخانقة، أو تدخل حيًّا لم تصبه يد التخطيط منذ عقود. نعم، المدن تشيخ.. لكن بعض الشيخوخة مجرَّد تجاعيد للذاكرة، فالإسكندرية، مثل كل المدن القديمة، تحمل في جسدها علامات الزمن، وهو أمر طبيعي، لكن ما ليس طبيعيًّا هو أن يدفع الزمن فاتورة الإهمال، وأن تُدفَن روح المدينة تحت طبقات من البناء العشوائي، وأن تتحوَّل واجهتها البحرية إلى ساحة صراعٍ بين البحر والاسمنت. ولكن، هل أراد حميدة أن يهين المدينة أم أن يحرِّضها؟ ليس في الأمر أن تُفصَّل الإجابة بحسب نوايا القائل، بل الكلمات هي التي تحكي حكايتها، تحمل بين ثناياها صِدقًا لا يُخفَى، ليست تهكمًا ساخرًا، ولا لفظًا واهنًا يُطوَى ويُنسَى، بل هي كلمة تُثْقِلُ الوجدان وتُوقظُ في الصمتِ صوتَ الحقيقة.. أو هكذا يبدو. ليس سِرًّا أنَّ أهل الإسكندرية يعيشون علاقة محتدمة مع مدينتهم؛ يحبُّونها رغم إرهاقها، ويغضبون لأجلها رغم أنها لا تُحسن الاعتناء بنفسها دائمًا. يرون فيها الجمال حتى حين يتوارَى، ويسمعون في هدير بحرها ما لا يسمعه الزائر العابر. جاءت كلمة حميدة كإصبعٍ يضغط على جرحٍ قديم، لا ليزيد وجعه، بل ليُضيء ما خُفي من ألم. فالكشفُ عن الألمِ أمرٌ، وتحملُ صداه أمرٌ آخر. لذا، انقلب النقاشُ إلى صراع بين صورتين: صورةٌ عتيقةٌ تغرق في وهجِ الذكرى، وأخرى حديثةٌ تتثقل بأوزارٍ من صنع البشر، لا بأعباء الزمن. ولعلّ أجمل ما في هذه المعركة، أنّ المدينة بكل تناقضاتها ظهرت حقيقية للمرة الأولى منذ زمن طويل. ليست عروسًا تمامًا، ولا كركوبة تمامًا. بل كائنًا حيًّا يشيخ في مواضع، ويتجدَّد في أخرى، ويحتاج إلى يدٍ تُمَسِّد ويدٍ تُصلح، لا إلى قصيدةٍ تمدح أو تصريحٍ يهدم. ربَّما أخطأ حميدة في نبرة العبارة وربّما أصاب في جوهرها، وربَّما بالغ الناس في ردِّ الفعل.. لكن ما لا شكَّ فيه، أنَّ المدينة خرَجَت من الجدل أكثر وعيًا بنفسها.. مدن كثيرة تحتاج إلى من يقول لها: "انظري إلى المرآة".. وإن كانت المرآة قاسية، فهي صدَى لا يحمل رأيًا، بل يعكس الواقع. الإسكندرية أكبر مِن أن تُختصَر في وصفٍ موجزٍ أو كلمةٍ عابرة.. هي لا تُهزم بتصريحٍ ولا تُنقذُ بعبارة، لكنها وبفضل ما أُثير حولها، عادت لتكون موضوعًا للنقاش الصادق والواعي، لا صورةً تُروى دون تأمل، وهذا هو جوهر الأمر، فالمدن تزدهر حين نُحبها بصدق، حين نُصْدقها القول، ونتقبَّلها بكل تفاصيلها. في الفراغ بين قسوة كلمات حميدة وغضب الأرواح المستثارة جَرَّاء ما قاله، تتجلَّى ضرورة المعانقة الصادقة لمدينةٍ ليست بحاجةٍ إلى مديحٍ دون سقفٍ أو ألقابٍ تزخرف صورتها، بل إلى عنايةٍ تشدو بألحان الإصلاح، وعينٍ تقرأ في صدقها جمالها، فلا تحكم عليها بالسواد فقط، ولا تغفل عن نورها.. في تلك المساحة بين الظل والنور، تبدأ المدن رحلة استعادة ذاتها، رحلةٌ تبوح فيها بالحكايات، وتنهض من بين الركام لتكتب فصلًا جديدًا من الحياة، فصلًا يُكتبُ بأقلامٍ.. لا تخشى مواجهة الحقيقة.
