يعود بي الشوق كلما أقبل شهر رمضان، إلى تلك الأيام الجميلة التي قضيتها على مقاعد الدرس، وتحديدًا إلى مدرستي العريقة "سان مارك" بالإسكندرية، تلك المدرسة التي لم تكن مجرد بناء من طوابق وفصول دراسية، بل كانت بحق الأم التي احتضنتنا وربت فينا معاني الأخوة والمحبة.
وفي هذا الشهر الفضيل، يتجدد اللقاء مع إخوة العمر، زملائي في دفعة ١٩٨٧، ويمتزج حنيننا مع حنين دفعات أخرى لترتمي بنا الخطى جميعًا في حضن مدرستنا الأم. نجتمع على مائدة الإفطار في رحابها، وكأننا نؤدي صلاة العشاء في محراب الذكريات.
ما أجمل أن ترى مدرستك وقد فتحت ذراعيها لك بعد كل هذه السنين! هي حقًا كأم حنون تفرح بعودة أبنائها إليها، وتزهو باجتماع شملهم على مائدة الرحمن. وكما يسعد القلب حين يجتمع شمل الأسرة، تسعد جدران سان مارك بضحكاتنا التي تملأ أرجاءها من جديد، وكأن الزمن أعادنا إلى الوراء، إلى أيام كنا فيها نملأ الفصول ضجيجًا وحيوية.
على هذه المائدة الرمضانية، لا يكون الطعام وحده هو زادنا، بل نتربّع على مائدة الذكريات نتقاسم أطباق الحكايات. نسترجع معًا حكايات الحصص الدراسية، وطرافة المواقف مع أساتذتنا الأفاضل، وذكريات المباريات في حوش المدرسة. نتبادل أطراف الحديث عن أيام الدراسة الطويلة التي كنا نظنها لا تنتهي، فإذا بها تمر كلمح البصر، ولا يبقى منها إلا هذه اللحظات الدافئة.
وهذا التجمع السنوي يترك في نفوسنا أثرًا لا يوصف؛ إنه شعور بالامتلاء والسعادة الغامرة التي تغسل عنا غبار السنة. هو دفء العشرة الذي يمتد بنا عبر السنين، وتلك البهجة التي تعلو الوجوه حين نجد أنفسنا وسط من نشأنا معهم، وسط من عرفوا تفاصيلنا الصغيرة قبل الكبيرة. في هذه اللحظات، نشعر أننا مازلنا أولئك الفتيان الذين يركضون في فناء المدرسة، وأن الزمن لم يستطع أن يغير شيئًا من تلك المشاعر الصادقة.
إن سر هذا الارتباط الوثيق بيننا وبين مدرستنا، وبعضنا ببعض، يعود بلا شك إلى نظام التعليم الجامع الذي تبنته سان مارك، حيث تضم الطالب من الحضانة حتى الثانوية العامة. لقد تربينا معًا في هذا الحضن الدافئ، فعشنا معًا مراحل النمو كافة، وكبرنا معًا، فتشربت أرواحنا معاني الأخوة الحقيقية.
هذا النظام الفريد يجعل من المدرسة بيئة متكاملة، تشبه الأسرة الصغيرة، يتعلم فيها الكبير من الصغير، ويألف الصغير وجود الكبير، فتذوب الفوارق ، وتنمو المحبة. إنها تخلق جيلاً مترابطًا، يعرف بعضه بعضًا حق المعرفة، ويشعر كل فرد فيه أنه جزء من كل، وأن له جذورًا ضاربة في هذا المكان.
لهذا، حين نجتمع اليوم في رحاب سان مارك، لا نجتمع كغرباء، بل كأبناء لأم واحدة، مهما اختلفت منازلنا ومشاربنا. هي مدرستنا التي علمتنا أن الحياة مدرسة، وأن العلم نور، وأن الأخلاق هي زينة الإنسان، ولكن أجمل ما علمتنا إياه هو أن الأخوة الحقيقية تبدأ من هنا، وتظل تنمو مع الأيام، لا تبلى ولا تموت.
تحية لكِ يا أمنا، يا سان مارك، تحية لكِ وأنتِ تحتضنينا على مائدة الإفطار في رمضان. تحية لكِ وأنتِ تجمعين شملنا بعد طول افتراق. فأنتِ لستِ مجرد مدرسة، بل أنتِ الأم التي تظل حاضنة لأبنائها، مهما تقدم بهم العمر، ومهما ابتعدت بهم السبل.
أخبار متعلقة :