تهل علينا تلك الأيام ذكري عاشوراء التي تحمل الكثير من المآسي حول استشهاد الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في معركة كربلاء التي توافق يوم العاشر من محرم سنة 61 هجرية وذكري عاشوراء أو معركة كربلاء هي مجرد معركة في إطار الصراع السياسي علي السلطة والذي شهدته الدولة العربية علي مدار تاريخها في كافة أرجائها ولكن الأدبيات الشيعية حولت تلك الحادثة من مجرد حدث سياسي إلي حدث ديني أثر في أدبيات المذهب الشيعي علي مر العصور وأسبهت الروايات التاريخية للشيعة في وصف تراجيديا تلك الواقعة فحولتها إلي ما يشبه الملاحم الأسطورية ولاعجب فالأساطير سمة الحضارة الفارسية والفرس هم من حولوا تلك الحادثة إلي أسطورة ملحمية واعتقد أنه يجب علي المؤرخين أن ينظروا إلي أحداث التاريخ بتجرد وأن يكون تفسيرنا لأحداثه تفسيراً مادياً واقعياً للأحداث في ضوء المعطيات والظروف المعاصرة لكل حدث بعيداً عن التهويل والتهوين واذا نظرنا إلي حادثة كربلاء سنجد أن الأمر فيها جد صعب فكربلاء لا اعتقد أنها ثورة ولاتمرد فهناك فرق بين الثورة والتمرد فالثورة بحق والتمرد لمصلحه وهدف وهناك التخبط السياسي وهذا هو حال ثورة الحسين بن علي رضي الله عنه والتى عرفت ذكراها بعاشوراء ليغطى نواحها على صيام تاسوعاء وعاشوراء الذي أوصانا بهم النبي (صلي الله عليه وسلم ) والبداية لأحداث عاشوراء (كربلاء ) بدأت باستشهاد سيدنا علي بن أبي طالب ونزول الحسن بن على عن الخلافة لمعاوية الذي بايعه الجميع حتى سمي ذاك العام (عام الجماعة لاجتماع الكلمة فيها على أمير واحد بعد الفرقة) أما الحسين رضي الله عنه (شقيق الحسن رضي الله عنه ) فلم يرض بهذا التنازل بل حرض أخاه الحسن على قتال أهل الشام ولكن أخاه كان أكثر واقعية وحكمة من الحسين رضي الله عنه فزجر أخاه بعنف وهو يقول (والله لقد هممت أن أسجنك في بيت، وأطبق عليك بابه حتى أفرغ من هذا الشأن "أي التنازل عن الخلافة لمعاوية" ثم أخرجك) فسكت الحسين رضي الله عنه على مضض ومن يومها أدرك معاوية خطر الحسين رضي الله عنه وتهوره (ومعاوية رجل عاقل وسياسي محنك) فحرص على إكرام الأخوين (الحسن والحسين رضي الله عنهما ) إكراماً زائداً فأجزل لهم الأعطيات المالية حتى أنه صرف لهم في يوم واحد مائتي ألف درهم وهو يقول (والله لا يعطيكما أحد قبلي ولا بعدي) ولكن الحسين رضي الله عنه رد بقوله (والله لن تُعطى أنت ولا أحد قبلك ولا بعدك رجلين أفضل منا) ونلاحظ في مسألة قبول العطاء أنها ليست مجرد أعطية مالية ولكنها اكتساب اعتراف شرعي من الحسن والحسين رضي الله عنهما لصالح معاوية فلو كان هناك عداء من معاوية لما أجزل لهما العطاء وإن كان هناك نكران للبيعة من قبل الحسن والحسين رضي الله عنهما لما كان هناك قبول للعطاء وعندما حرص معاوية على أخذ البيعة لأبنه يزيد في حياته امتنع عنها الحسين رضي الله عنه وبعض من أبناء الصحابة ولكن بوفاة معاوية عدل الممتنعون عن موقفهم وبايعوا يزيد باستثناء الحسين رضي الله عنه وعبدالله بن الزبير اللذين فرا من المدينة إلى مكة فاعتبر الحسين رضي الله عنه نفسه أحق بالخلافة من يزيد مما يؤكد أن مشكلة الحسين رضي الله عنه مع يزيد هي مشكلة شخصية في المقام الأول بعيدة كل البعد عن المطالب الشعبية أو مطالب المظلومين وتصادفت رغبة الحسين رضي الله عنه الشخصية مع مدعي المظلومية من أهل العراق فلم ينسوا ثأرئهم مع أهل الشام من ناحية ويئنون من شدة عبيد الله بن زياد والي الأمويين وعلي كل الأحوال فأن تلاقي الرغبات بين الحسين رضي الله عنه وأهل الكوفة أصبح أمراً واقعا ًمع ورود الكتب اليه من العراق تدعوه إلى تولي الخلافة وتبلغه أن أهل العراق رفضوا مبايعة يزيد بن معاوية وحتى يطمئن الحسين رضي الله عنه إلى صدق نوايا أهل العراق أرسل ابن عمه "مسلم بن عقيل" ليستطلع حقيقة الأمر مما يدل علي عدم ثقة الحسين رضي الله عنه في أهل العراق فقد عاش مرارة تجربة أبيه علي بن أبي طالب (رضي الله عنه ) ورغم ذلك كان يحاول أن يؤمن نفسه بارساله لابن عمه مسلم بن عقيل وهناك اجتمع حول ابن عقيل غالبية أهل الكوفة يبايعون الحسين رضي الله عنه على الخلافة وتكاثروا حتى بلغوا 18 ألف رجل وأمام هذا التأييد الشعبي الكاسح أرسل مسلم بن عقيل إلى الحسين رضي الله عنه يدعوه إلى التوجه إلى الكوفة وهنا شعرأمير الكوفة "عبيد الله بن زياد" بالخطر فأمر بالقبض على مسلم بن عقيل ولكن الأخير كان منتشياً بالنصر الذي حققه فزحف بجيش قوامه 4 آلاف من أهل الكوفة إلى قصر ابن زياد والي الكوفة ووقف مزهواً أمام باب القصر وهنا اصدر ابن زياد تعليماته إلى زعماء قبائل الكوفة بـ"التصرف" مع أبناء قبائلهم بالحسنى فخرج زعماء القبائل يهددون ويتوعدون القوم وأمروهم بالرجوع وبالفعل وبلمح البرق انصاع القوم وانصرفوا بسرعة وخذلوا مسلم بن عقيل الذي بقي يقف وحيداً وليس معه سوى 30 رجلاً بعد أن كانوا 4 آلاف وهنا وجه أحد أتباعه بالمسارعة إلى تحذير الحسين رضي الله عنه والعدول عن الخروج إلى الكوفة بعد أن خذله أهل العراق عن بكرة أبيهم ثم أُلقي القبض على مسلم بن عقيل وبعد محاكمة سريعة بتهمة تشتيت الجماعة وتفريق كلمتهم صدر الأمر بقتله ورغم تحذيرات المقربين من الحسين رضي الله عنه رضي الله عنه بعدم المغامرة بالخروج للعراق ومن هؤلاء عبدالله بن عباس الذي حذره قائلاً (إن أهل العراق قوم غدر، فلا تغترن بهم .. قتلوا أباك وطعنوا أخاك .. فالزم بيتك ولا تخرج على إمامك) وحذره أبو سعيد الخدري قائلاً (لا تخرج، فإني سمعت أباك يقول بالكوفة: والله لقد مللتهم وأبغضتهم، وملوني وأبغضوني، وما بلوت منهم وفاء ) وحذره أبو واقد الليثي قائلاً: (اتق الله ولا تضرب الناس بعضهم ببعض) وحذره المسورة بن مخرمة قائلاً: (إياك أن تغتر بكتب أهل العراق، فإنهم إن كانت لهم بك حاجة فسيبضربون إليك آباط الإبل حتى يوافوك فتخرج في قوة وعدة) أما الحسين رضي الله عنه فقد رد على نصح هؤلاء بقوله (سأستخير الله) وفي اليوم التالي خرج يقول (إني رأيت رؤيا، ورأيت رسول الله، وأمرني بأمر، وأنا ماض له) وعندما حاول ابن عباس أن يمنعه رد عليه الحسين بغلظة وهو يقول (إنك شيخ قد كبرت) وقرر الحسين رضي الله عنه المضي في مغامرته ليعلن نفسه خليفة المسلمين فسار مع مجموعة من الرجال وهم 32 فارساً و40 رجلاً ومجموعة من النسوة والأطفال (على الرغم من أن ابن عباس حذره من سوق النسوة والأطفال معه حتى لا يعرضهم للخطر ولكن الحسين رضي الله عنه أصرعلى المضي في هذه المغامرة حتى النهاية وهو في الطريق وصله خبر مقتل ابن عمه مسلم بن عقيل وقابل الفرذدق والذي كان عائداً من العراق فسأله الحسين رضي الله عنه عن أحوالهم ومدي استعدادهم لنصرته فنصحه الفرذدق بالعودة قائلا أن أهل العراق قلوبهم معك وسيوفهم عليك وهنا انتقل الحسين رضي الله عنه من حالة المغامرة إلي التهور حين نزل علي رأي بنوعقيل الذين قالوا له (والله لا نرجع حتى ندرك ثأرنا) ومضوا حتى وصلوا كربلاء وافتقد الحسين رضي الله عنه للسياسة في أنه علم بمقتل مسلم بن عقيل وموقف أهل العراق وفي نفس الوقت نزل علي رأي أبناء عمومته بالثأر فكان من السياسة تجنيب النساء والأطفال في أن يعود بهم أحد رجاله أو أن يعسكروا بعيداً لا أن يتوجه بهم إلي عقر دار أعدائه وعلي كل حال فإن اليأس قد تملك من الحسين رضي الله عنه حتى أنه قال في إنكسار (كربلاء .. كرب وبلاء) وسرعان ما وصل فرسان عبيد الله بن زياد أمير الكوفة وهنا أدرك الحسين رضي الله عنه متأخراً أنه قد أخطأ في هذه المغامرة الطائشة فناشد الفرسان أن يسيروه إلى يزيد فيضع يده في يد يزيد أو أن يسمحوا له بالعودة إلى الحجاز أو أن يذهب إلى حيث يشاء (غير الكوفة) ولكن تعليمات ابن زياد كانت صارمة وهي القبض عليه ليحكم به بما يراه وكانت النهاية معروفة وقد صدقت بصيرة معاوية الرجل الحكيم عندما قال لابنه يزيد وهو على فراش الموت (انظر الحسين رضي الله عنه بن علي، فإنه أحب الناس إلى الناس، فصل رحمه وأرفق به يصلح لك أمره، فإن يكن منه شيء فإني أرجو أن يكفيكه الله بمن قتل اباه وخذل أخاه) ومن المهم التنبيه هنا أن بعض تفاصيل مقتل الحسين رضي الله عنه كما وردت في كتب التاريخ مروية عن الإخباري الشيعي المعروف "أبي مخنف لوط بن يحيى بن سعيد الأزدي " في كتاباته المختلفة من ضمنها كتاب مقتل الحسين رضي الله عنه بن علي بن أبي طالب وكذلك كتابات الواقدي ولذلك فقد فشا في كتب المؤرخين تفاصيل تراجيدية لا يبعد أن تكون مختلقة من هذا الرواية الشيعية لأسباب طائفية مفهومة وهكذا قتل الحسين رضي الله عنه في مغامرة متهورة صنعها عاملان :حسن نيته وسلامته وروح المغامرة لديه وخيانة شيعته الذين غرروا به ثم سرعان ما غدروا به وهم ذاتهم الذين يبكون اليوم عليه كل عام في عاشوراء .
