مقتطف من الرواية فذلكة تاريخية هكذا وعلى الرغم من أن ملك الموت، أو ما يسمى شرعًا في علم اللاهوت الجنائزي "قابض الأرواح" كان يرفرفُ بجَناحيه الأبيضين، ويدورُ في سقفِ الغرفةِ كالفراش، كان المَلك "هيرودوس أنتيباس" ذلك القابع في ركن الذاكرة الخربة، والمُحمَّل بالأوزارِ دائمًا يجلسُ على سريره الأخَّاذ؛ ذلك السرير المصنوع من الخشب الماهوجني، والمُطرَّز بالجواهر واليواقيت، وكانت تجلسُ إلى جواره تلك اللعوب "هيرديا" زوجة أخيه في انتظار ملك الموت. ولما كان الأطباء والكهنة، والعرافون يحيطون بهذا السرير من كل جانب، كالعاهرات في انتظار لحظة الوداع الأخيرة، كان الملك لا يرى إلا حلمًا واحدًا، وهو أن ملك اليهود القادم الذي تنبَّأ به من قبل "ميخا النبي" سوف يسلب العرش، ويجلس عليه منفردًا، وأن السماء المُرصعة بالنجوم ستتحول في نهاية الأمر إلى جحيم، الأمر الذي أقلق "هيرودوس أنتيباس"، وجعل الفوضى تدبُ في جوانب القصر العتيد، الذي اكتظتْ ساحتهِ بالكفرة، والمشعوذين. وبينا كان الجنود الرومان الحليقو الرؤوس، الذين يمسكون في أيديهم البلط والفئوس، والخناجر اللامعة المُدببة يدورون في شوارع الناصرة والجليل، وفي أزقة الرامة وأورشليم، كان "بيلاطس البنطي"، والغائب عن الأوسمة والنياشين الرسمية، وغير الرسمية، الذي كان يستمتع بالجنود الرومان وهم يدقون المسامير في الرسغين الأبيضين، ويكللون الرأس بالشوك، يغسلُ يديه ثلاث مرات بعد أن أعدَّ خريطة من الورق البردي، وخطَّ فيها بدم المسيح. في حين الجمع الغفير من المجذومين، والبُرْص، والعميان يسحبون خلفهم أرديتهم البيضاء وحكاياتهم التي تشبهُ الأساطير؛ يشكلون جيشًا هائلًا في انتظار لحظة الخلاص. آنذاك كانت "مريم المجدلية" تنظرُ إلى المسيح بضراعة وشفقة، وبعينين واثقتين وتقول: "لا تتركنا أيها المُعلم"، فظن الجميع أنها تخلصتْ من الأرواح الشريرة التي كانت تُطاردها. حينها كان قائد المئة يقف ينفض ثيابه التي ملأها الدم، ورئيس الكهنة يخرج، وكالعادة في أناقة لا مثيل لها، والعالم هو العالم لا يزال يجلس فوق فوة العدم، ينتظر كل يوم نبيًا آخر، ليُعلِّق عليه أخطاءه بعد أن تعرَّى هذا العالم من النعمة؛ تلك النعمة التي تعرى منها آدم من قبل، وحين اكتشف عُريه غطى جسمه بورق التين الخشن.
الكلمات الدلائليه
فن
الفن
ثقافة
الثقافة