بقلم / أسامة مرسي
على مسرح مكتبة الإسكندرية قدم طلاب قسم المسـرح بجامعة الإسكندرية العرض المسرحى (جريمة فى جزيرة الماعز) من إخراج الدكتور/ محمـد عبد المنعم المخرج المسرحى الشاب وأستاذ التمثيل والإخراج بقسم المسـرح جامعة الإسكندرية، العرض من تأليف/ الكاتب الإيطالى أوجوبتى، ترجمة/ الفنان الراحل سعد أردش، تمثيل طلاب قسم المسرح المتميزين (فيولا فايز فى دور الأرملة "أجاتا"، أميرة على فى دور العمة "بيا"، باسنت فتحى فى دور الإبنة "سلفيا"، وائل لاشين فى دور الوافد الغريب "أنجلو" )، دراماتورج وأشعار/ ياسر أبو العينين، رؤية تشكيلية/ م. وليد السباعى، إضاءة/ إبراهيم الفرن، موسيقى وألحان/ محمـد شحاتة، كوريجراف/ محمـد صلاح، إعداد موسيقى وتنفيذ/ محمود فيشر، تصميم بوسترات ودعاية / أحمد نوفل، إدارة مسرحية / محمود سعيد ومحمـد خميس طلاب قسم المسرح، مخرج مساعد/ محمـد الجوهرى وأحمـد فهمى طلاب قسم المسرح. كُتِبَت المسرحية عام 1948م أى منذ 75 عاماً مضت، وقد استهدف كاتبها الإيطالى أوجوبتى أن يعالج أجواء مابعد الحرب العالمية الثانية وآثارها المدمرة وانعكاساتها على النفوس، مصوراً التناقض الصادم بين الدول المنتصرة فى غطرستها وطغيانها، والدول المنهزمة المستضعفة فى خضوعها واستسلامها؛ ليدعو إلى إعادة النظر تجاه الضعفاء المنهزمين الذين يعيشون بلا أمل.
تدور أحداث العرض حول ثلاث نساء من أسرة واحدة هم (الأم، وابنتها، وأخت الزوج)، يعشن فى جزيرة معزولة عن العالم دون رجل يراعهم، وفى غمرة الوحدة والعزلة والاشتياق يقتحم عالمهم رجل متشرد يُسمى "أنجلو" يتوسل بالسبل كلها حتى يوقعهن فى حبال عشقه؛ فتنقلب أحوال النساء الثلاثة، ويتمسكن بوجوده بينهن ويرتضين أن يعشن معه على هذه الشاكلة. تسير أحداث النص الأصلى وفق قفزات درامية واضحة؛ ليمرر المؤلف بوساطتها زمن الأحداث ويُحْدِثْ صدمة غير متوقعة للمتلقى حتى يثير فكر الجمهور المعاصر ويشتبك مع عقله، وهذه هى إحدى التقنيات الفنية فى الكتابة المسرحية التى يتبناها أوجوبتى الإيطالى فى معظم مسرحياته، بل هى خصيصة تُميز كتاباته المسرحية عن أقرانه ومعاصريه؛ فقد انتهى الفصل الأول فى النص الأصلى (جريمة فى جزيرة الماعز) وأنجلو الوافد على النساء الثلاثة يخرج من عندهن مطروداً يرفضن إقامته معهن بسبب أن وجوده بينهن غير شرعى، لكن فجأة يبدأ الفصل الثانى وأنجلو يعيش بينهن وتتفانى النساء الثلاثة فى خدمته دون أن يصور الكاتب أى مبرر لذلك اعتماداً على خيال المتلقى؛ إذ يترك للجمهور سعة الخيال ليحدد المبررات التى يختارها بنفسه حتى تستقيم الأحداث - التى يشاهدها - من وجهة نظره.
وبتأمل النص المسرحى لأوجوبتى نجده نصاً طويلاً جداً كتبه المؤلف فى ثلاثة فصول تضم 18 مشهد مسرحى وتتجاوز المائة والعشرين صفحة، يحوى الفصل الأول (6) مشاهد، ويحوى الفصل الثانى (8) مشاهد، أما الفصل الثالث فيضم (4) مشاهد؛ لذلك استعان المخرج محمـد عبد المنعم بالشاعر والدراماتورج المبدع ياسر أبو العينين ليقوم بإعداد النص المسرحى واختصاره؛ فأعمل الفنان ياسر أبو العينين قلمه بالحذف والاختزال والتكثيف دون أن يتعدى على أسلوب الكاتب، وحرص كل الحرص على الحفاظ على صياغات أوجوبتى الدرامية والحوارية دون تدخل منه يجور على إبداعات المؤلف أو رؤاه؛ فكان عمله داخل نص أوجوبتى يتسم بالأمانة الدرامية الشديدة، وينحصر فى تخليص النص من التطويل والاسترسال المتكرر من أجل تكثيف أحداثة وتقليص زمن العرض بما يتوافق مع الطاقة الاستيعابية للجمهور المعاصر؛ فحذف الدراماتورج شخصية السائق "إدواردو العجوز" فدوره ثانوى لايؤثر فى سير الأحداث أو تصعيدها؛ إذ يقتصر على أنه يمر بسيارته على النساء فى الجزيرة المعزولة مرة كل أسبوع يحمل لهن المشتريات المطلوبة للإعاشة؛ لذلك اكتفى الدراماتوج ياسر أبو العينين بالإشارة إليه عن طريق حديث الشخصيات عنه. كما ركز جل اهتمامه على بلورة الخط الإنسانى الذى استهدفه المخرج عبر علاقة الرجل بالمرأة، وتجنب إبراز الخط السياسى الذى يدور فى فلك أجواء الحرب العالمية الثانية تلبية لرؤى المخرج، وقد وفق ياسر أبو العينين فى ذلك بشكل واضح؛ ومن ثم كثف النص المسرحى الطويل (جريمة فى جزيرة الماعز) فى فصلين متوسطى الطول، دون أن يستعين بتقسيم الفصول إلى مشاهد بل جاء كل فصل فى وحدة واحدة دون أى تجزيئ. كما كتب عدداً من الأغانى التى ربطت بين الأحداث بعضها بعضاً وأوضحت ملامح بعض العلاقات بين الشخوص، كالأغنية المرحة التى ربطت الفصل الأول بالفصل الثانى ويظهر بموجبها المتشرد أنجلو وقد استقر به العيش فى بيت النساء الثلاثة. والأغنية الختامية التهكمية الساخرة التى انتهى بها العرض وتسخر من وضع النساء الثلاثة (الأم، وابنتها، وأخت زوجها) الذين ارتضوا أن يمتهن الرجل كرامتهن كما ارتضوا أن يعيشن معه على سرير واحد .
لقد استبعد المخرج فى رؤيته الحداثية المعاصرة لهذا العرض الجريمة الدموية التى وردت بالنص الأصلى والتى تقضى على حياة المتشرد "أنجلو" فى الختام حين يسقط فى البئر ويصبح صريعاً بعد استمراره داخل البئر يومين كاملين وليلتين. وسلط المخرج الضوء على الجريمة الأخلاقية لكى يبلور مقولته حول علاقة الرجل بالمرأة وماينتابها من هزات بين حين وآخر. وكى يسخر المخرج من هذه الجريمة الأخلاقية التى يقترفها الرجل والنساء الثلاثة نجده قد اختتم عرضه بمشهد تعبيرى غاية فى الروعة تتحول النساء بموجبه إلى عنزات أو نعاج بأسلوب الجروتسك؛ وذلك عبر توظيف أغنية صاخبة تهكمية ساخرة تثير تهكم المتلقى وسخريته من هذا الوضع المسيئ، وتعضد وجهة نطر الجمهور التى تتفق مع وجهة نظر المخرج؛ لذلك اهتزت الصالة تصفيقاً وصفيراً إعجاباً بهذا المشهد الذى برع المخرج فى تقديمه.