مجلة إسكندرية

الوعي خط الدفاع الأول.. مكتبة الإسكندرية تستضيف ندوة «درع الأمان» لمواجهة التحرش


في خطوة تستهدف ترسيخ ثقافة الصحة النفسية وبناء الإنسان، نظّمت مكتبة الطفل بقطاع المكتبات بمكتبة الإسكندرية محاضرة توعوية موسعة تحت عنوان «درع الأمان.. الوعي خط الدفاع الأول ضد التحرش»، وذلك بالتعاون مع جمعية أهل التوفيق الخيرية، وتحت إشراف الدكتورة هبة فهمي، مديرة مكتبة الطفل، واميرة يسري، منسق الفعالية، ورئاسة وصفاء توفيق رئيسة الجمعية.

شهدت الندوة حضورًا لافتًا من ممثلي المجتمع المدني والشباب، وحاضر فيها كل من الأستاذة الدكتورة هند الجبالي، عميد المعهد العالي للخدمة الاجتماعية ونقيب الاجتماعيين بالإسكندرية، والدكتورة سهام القطان، استشاري ورئيس قسم أمراض المخ والأعصاب والطب النفسي بمستشفى جمال عبد الناصر. وتولت إدارة الحوار وتقديم الندوة  صفاء توفيق، مدرب tot
معتمد ببرنامجة «رابحة» ، بينما قامت صفاء منتصر محمد بالترجمة الفورية بلغة الإشارة لدمج ذوي الإعاقة السمعية.


يُعد التحرش بكل أشكاله سلوكًا غير مقبول ينتهك حدود الإنسان وحقه في الشعور بالأمان والاحترام، ولا يقتصر على اللمس أو الاعتداء الجسدي، بل يشمل أيضًا التحرش اللفظي، والنظرات أو الإشارات ذات الطابع الجنسي، والملاحقة، والتحرش الإلكتروني، وإرسال الصور أو الرسائل غير المرغوب فيها، والابتزاز والتهديد. والتحرش ليس خطأً تتحمل مسؤوليته الضحية، كما أن طريقة ملابسها أو خروجها أو وجودها في مكان معين لا تبرر أبدًا ارتكاب هذا السلوك.
ومن هنا جاءت أهمية مفهوم «درع الأمان» الذي يبدأ بالوعي؛ فالحماية الحقيقية لا تعني أن نزرع الخوف في نفوس الأطفال والشباب، وإنما أن نعلمهم منذ الصغر معنى الحدود الشخصية، وأن لكل إنسان مساحة خاصة وجسدًا لا يحق لأحد انتهاكهما، وأن من حق الطفل أو الشاب أن يقول «لا»، وأن يبتعد عن الموقف غير المريح، وأن يطلب المساعدة دون خوف أو خجل. كما تقع على الأسرة والمدرسة والمجتمع مسؤولية توفير بيئة آمنة تسمح للطفل أو الضحية بالكلام والإفصاح دون لوم أو تهديد.
والوقاية لا تعني تحميل الفرد مسؤولية حماية نفسه وحده، وإنما تعني بناء مجتمع يرفض التحرش ويواجهه بوضوح. ويجب أن يتعلم الأطفال كيفية التعامل مع الغرباء، والمواقف غير المريحة، والتواصل الآمن عبر الإنترنت، وأهمية عدم إرسال صور خاصة أو مشاركة البيانات الشخصية، مع التأكيد على أن طلب المساعدة ليس ضعفًا، بل تصرفًا شجاعًا وصحيحًا.
أما إذا وقع التحرش بالفعل، فالأولوية تكون لأمان الضحية ودعمها نفسيًا وإنسانيًا. يجب أولًا إبعادها عن مصدر الخطر قدر الإمكان، وعدم إجبارها على مواجهة المتحرش أو التعامل معه بمفردها، ثم الاستماع إليها بهدوء وتصديق مشاعرها، وتجنب عبارات اللوم مثل: «أنتِ لماذا ذهبتِ إلى هذا المكان؟» أو «لماذا لم تدافعي عن نفسك؟». فالضحية تحتاج إلى الأمان وليس إلى التحقيق معها أو تحميلها مسؤولية ما حدث.
وفي حالات التحرش الإلكتروني أو الابتزاز، من المهم عدم الاستجابة لتهديدات المتحرش أو الدخول في مساومات معه، والاحتفاظ بالأدلة والرسائل ولقطات الشاشة والحسابات المستخدمة، وطلب المساعدة من الأسرة أو شخص بالغ موثوق، واللجوء إلى الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة.
وقد تترك تجربة التحرش آثارًا نفسية تختلف من شخص إلى آخر، مثل الخوف، والقلق، واضطراب النوم، وفقدان الثقة بالنفس، والشعور بالذنب أو العار، وتجنب الأماكن أو الأشخاص، وقد تظهر أعراض أكثر شدة لدى بعض الضحايا. لذلك لا ينبغي أن ينتهي دورنا بمجرد انتهاء الواقعة؛ فـما بعد التحرش يحتاج إلى رعاية ودعم نفسي حقيقي، وقد يكون اللجوء إلى متخصص في الصحة النفسية ضروريًا عندما تستمر الأعراض أو تؤثر في حياة الضحية ودراستها أو عملها وعلاقاتها.
والرسالة الأساسية في «درع الأمان» هي أن التحرش ليس مزحة، وليس قدرًا يجب الصمت عنه، وليس ذنب الضحية. المواجهة تبدأ بالوعي، والوقاية تبدأ بتعليم الحدود واحترامها، والتعامل بعد الواقعة يبدأ بالأمان والاحتواء والدعم، ثم اتخاذ الإجراءات المناسبة لحماية الضحية ومنع تكرار الأمر.
فالمجتمع الآمن لا يُقاس فقط بقدرته على معاقبة المتحرش، وإنما بقدرته على منع التحرش، وحماية أفراده، ودعم من تعرضوا له، وترسيخ ثقافة احترام الإنسان وحدوده وكرامته.

أخبار متعلقة :