نحن لا نرتب أماكن الأشخاص في قلوبنا، فأفعالهم وممارساتهم و نواياهم هي التي تتولى ذلك، وكذلك فإن أفعالنا وتصرفاتنا هي المسؤولة عن ترتيب أماكن لنا في قلوب الآخرين.
فأفعالنا وممارساتنا؛ بل أفكارنا المعلنة وحتى كلماتنا التي نتلفظ بها أو التي نكتبها هي الأثر الذي يدل علينا، وهي المسوغات التي تشتمل عليها أوراق إعتمادنا لدى الآخرين من حولنا؛ بل لدى الحياة بكل تفاصيلها.
وسئل حكيم: -
لماذا تحسن إلى من أساء إليك؛ وتصل من يقاطعك؟ فقال: لأني بالإحسان أجعل حياتهم أفضل، ويومي أجمل، ومبادئي أقوى، وروحي أنقى، ونفسي أصفى، وأترك أثرًا طيبًا لمن بعدي.
إنها خلاصة الأشياء ،بل خلاصة الحكمة كلها، ولو أضفنا إليها غاية الإيمان بالله عز وجل، والحصول على رضاه، لاكتملت هذه الخلاصة وغّطت حياة الإنسان وآخرته، ودينه ودنياه.. وفي الحقيقة فهما مرتبطان بأقصى مما نعتقد.
فالرسول الكريم عليه الصلاة والسلام يقول:-
«الدين المعاملة».
لأن عباداتك مهما زادت أو نقصت فإنها تبقى لك ومن أجلك فقط وبينك وبين ربك.
أما أعمالك ومعاملاتك مع الناس والعالم من حولك فهي التي ستحدد أثر دينك عليك، وأثرك على الآخرين.
اترك أثرًا طيّبًا، اسعد الناس،أورثهم شيئا رائعًا، أرسم البسمة على وجوههم، أزرع شجرًا يصنع ثمرًا يأكلونه ويخلق ظلاً يفيؤون إليه، وينتج أكسجينًا يتنفسونه ويمنحهم إكسير الحياة.
إنك حينها لن تخرج من الحياة إلا وقد أضفت إليها شيئًا يبقى من بعدك؛ شيئا يبقيك حيًا.
الأثرُ الطيبُ الذي يصنعُه الإنسانُ في مسيرةِ حياتِه هو إرثه الذي يبقى ويبقى حتى بعد فناء الأشياء، وهي أفعاله وتصرفاته تجاه الناس والأشياء من حوله.
وهي التي لا تحدد له مكانته في قلوب الناس وعقولهم فحسب، بل تعطي فكرة عن تعامل المولى عز وجل نفسه مع هذا الإنسان.
و أمامنا قصة لطيفة وعميقة جدا ترويها السيرة النبوية الشريفة عن حديث السيدة خديجة رضي الله عنها حين جاءه الوحيُ فهرع إلى شريكة حياته يروي لها ما حدث له وقد أصابه الفزع.. فماذا قالت له..؟؟
قالت تطمئن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وتشد من أزره: «والله لا يُخزِيكَ الله أبدًا؛ إنك لتصِلُ الرَّحِم، وتصدُقُ الحديثَ، وتحمِلُ الكَلَّ، وتَقرِي الضَّيفَ، وتُعينُ على نوائِبِ الدهر».
إنها أفعالنا وتصرفاتنا وأخلاقنا ونوايانا التي وإن كنا نوجهها إلى الآخرين إلا أنها في النهاية تنعكس علينا، وترتد توابعها إلينا وتبعاتها علينا، بل إنها في كثير من الأحيان تشكل حيثيات تساعدنا في قراءة مصائرنا ومصائر الآخرين.
تماما كما فعلت السيدة خديجة رضي الله عنها وهي تقرأ في لحظات قصيرة المصير الذي تراه لزوجها من خلال أفعاله وتصرفاته: «لا يُخزيك الله أبدًا»إنها القراءة الأوضح للمصير الأجلي.
إن إرضاء الناس غاية لا تدرك.. ولكن ما يمكن أن تدركه بأعمالك ونواياك ومعاملاتك مع الآخرين، هو أن تترك فيهم أثرًا طيبًا، يبقى من بعدك، ويكون لك إرثًا ممتدًا عبر الأزمان وعبر القلوب وعبر الحياة.
وفي الحديث النبوي الشريف وصيّة جميلة خالدة وشديدة الدلالة والروعة: «إن قامَت الساعةُ وفي يدِ أحدِكم فسِيلَة، فإن استطاعَ ألا تقومَ حتى يغرِسها فليغرِسها».!
هذا هو الأثر الطيب والغرس المثمر الذي يغرسه الإنسان حتى لو لم يكن موقنا بأنه سيجني منه شيئا في حياته، لأن ثمة من سيجني منه، آجلاً أو عاجلاً، وعلى مبدأ تلك الحكمة الخالدة (غرسوا فأكلنا.. ونغرس فيأكلون).. فثمة لكل منا وظيفته في هذه الحياة، ولكل منا أثره الذي يبقى بعده، وغرسه الذي قد يبدأ ببذرة بسيطة جدا، ولكن مع السنين يصير حقلا واسعا أو شجرا مثمرًا ممتدا..!
جميل أن تترك أثرًا طيبًا.. حيثما كنت.. وجميل أن تترك أثرا من بعدك.. ولا تعتقد أن الأمر صعب.. أنت تستطيع ذلك بابتسامتك التي تمنحها لعامل متعب تصادفه في الطريق.. بضحكة تشجيع تطلقها لطفل يحاول أن يستند من كبوته الصغيرة..! لا تعتقد أن الأثر الطيب الذي نقصده هو أن تبني جسرا أو مسجدا أو تُنشئ مستشفى..! نعم انها إنجازات كبيرة وجليلة.. ولكن كل إنسان بما يستطيع.
فالدعوة موجهة لكل منا بأن
يدع له أثرا في كلمة حق أو تشجيع أو نصيحة أو مواساة لأى شخص يسطتيع مساعدته و أن
نترك بقايا عطرنا في مجلس جلسناه فتحدثنا بالخير الذي يجمع الآخرين ويقرّبهم وبالإيجابية التي تجعل من حياة الناس أفضل.
فمن يقبل تلك الدعوة؟؟؟؟؟؟؟؟
