أبانوب سمير خليل يكتب ... الحياة للجميع

أبانوب سمير خليل يكتب ... الحياة للجميع
أبانوب سمير خليل يكتب ... الحياة للجميع


على الإنسان أن يُدرِك أمرًا في غايةِ الأهمِّيَّة: أنَّ هذه الحياة لم تُوجَد مِن أجلِ فلاسفةٍ وحُكماءِ العالم الفُهَماء؛ وأنَّه ليس –كما يقول البعضُ– مُستطاعًا عِند بَشَرٍ فُقَرَاءَ في المَعرِفة أن يتكيَّفوا مع جَوِّ هذه الحياة بِدون نَظرةٍ فلسفيَّةٍ لأُمورها. لأنَّ الفلسفة لم تُوجَد مُنذُ البدء. ألَعَلَّ أحدًا يقول لي: «إنَّ أبانا آدمَ، الإنسانَ الأوَّلَ وأبا البشر، كان فيلسوفًا»؟! فإن كانت الفلسفة قد سُمِّيَت باسمها ذاك لأنَّها مُحِبَّةٌ للحِكمة؛ فإنَّ هذا لا يمنع هؤلاء الفُقراء في المَعرِفة، الَّذين يُحِبُّون الحِكمة، مِن التَّكيُّف مع جَوِّ هذه الحياة. وإن كان لا يبدو أمام أعيُنِنا أنَّ هؤلاء مُحِبُّون للحِكمة؛ إلَّا أنَّه ليس بِنظرةِ الأعيُنِ بُرهانٌ؛ بل البُرهان السَّاطِع يتجلَّى في أعمالهم وتصرُّفاتهم. فإنَّنا إن سألْنا أحَدَ هؤلاءِ سُؤالًا ولم يعرف إجابتَه؛ فسيقول لنا: «لستُ أعرِف ما الإجابةُ؛ فأنا –كما تَرَوْنَ– فقير في معرفتي؛ فما عَلَا مُستواه عن مُستوَى معرفتي لا أستطيعُ التَّكَلُّمَ عنه». أمَّا بعضُ الفلاسفةِ فَلَرُبَّما إن سألَهُم أحَدٌ سُؤالًا ولم يعرفوا إجابتَه؛ يخوضون معه نِقاشًا طويلًا حَولَ ما سأل عنه؛ مُستنِدين إلى مفاهيمِهِم الفلسفيَّةِ وأقوالِهِم البَهِيَّةِ؛ آخِذِين مَنحًى بعيدًا كُلَّ البُعدِ عن مَنحَى سُؤالِ السَّائلِ. وبذلك يجعلونَ السَّائل يُعجَب بفصاحتهم ويقتنِع بِصِحَّةِ أقوالِهم؛ ظانًّا أنَّ هذا الَّذي يقولونه هو الجوابُ عن سُؤاله. وبينما هُم يُخفُون جَهلَهم عنه ويُظهِرون كِبرياءَهم لئلَّا يُفتضَحوا؛ ينخدِع السَّائلُ المِسكينُ بأقوالهم البرَّاقة ومفاهيمهم الأنيقة المُنمَّقة! مع أنَّ هُناك فلاسفةً لا يَتَّبِعون مِثلَ هذا الأُسلوب؛ وإنَّما إن كانوا يجهلون أمرًا سُئِلُوا عنه يُصارِحون سائلَهُم بذلك. ولكنَّ حديثي كان عن هذه الفِئَةِ المُخادِعة من الفلاسفة؛ الَّتي تَتَّبِعُ أسلوبَ الفلسفةِ الخِداعِيَّة في الإجابة عن الأسئلة. وإن كان هُناك مَن يرى في تَصَرُّفِها ذاك أنَّه ليس خِداعًا بل ذكاءٌ؛ فإنَّه يجهل معنى الذَّكاء بالكُلِّيَّةِ! لأنَّه إن كان خِداعُ النَّاسِ بِبعضِ عِباراتٍ ومفاهيمَ مُخترَعة يُعَدُّ ذكاءً؛ فَكَيْفَ يُمكِننا إذًا، في مِثل ما سَبَقَ أن ذكرتُ، أن نُفرِّق بين فيلسوفٍ ذَكِيٍّ وآخَرَ يجعل من نفسه ذَكِيًّا ليُخفِيَ جَهلَه؟! غَيرَ أنَّه مِن المُمكِن أن نقول عن هذا: إنَّه ذكاءٌ شيطانيٌّ؛ فالشَّيطان وحدَه، لأنَّه الخَدَّاعُ، مَن يبرَعُ في مِثلِ هذه الأمور بِطُرُقِه الخاصَّة؛ وهو مَن يدفعُ بهؤلاء إلى استخدام الفلسفةِ الخِداعِيَّة ويُعينُهم على استخدامها؛ فيتستَّرَ جهلُهم بواسطتها. وأمَّا بعد أن تَبَيَّنَتِ الحقيقةُ الَّتي كُنَّا نجهلها أمام أعيُنِنا؛ فإنَّنا سنستطيع القَولَ: إنَّ الفقير في المَعرِفة، الَّذي صارَحَ سائلَه بِعَدَمِ معرفتِه الإجابة عن سُؤالِه، هو حَقًّا فيلسوفٌ؛ لأنَّه تَكَلَّمَ عن نفسه بِحِكمةٍ أمام سائلِه ولم يُحاوِل خِداعَه بطريقةٍ ما. وعَلَيهِ نكون قد أثبتنا أنَّ الحياة إنَّما أُوجِدَت لأجلِ الجميعِ؛ للفلاسفة والعارِفين، وللفُقراء الغَيرِ العارِفين؛ وأنَّ كِلاهما يستطيع التَّكيُّف مع جَوِّ الحياة بما يتناسب مع قُدُراتِه ومُستوَى مَعرِفته.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى في عيد العمال...قيادة تلهم وسواعد تنجز ...إيهاب الفقي وفريقه نموذجا لصناعة النجاح في كهرباء الإسكندرية

معلومات الكاتب

 
Get new posts by email: