عاصم صبحي يكتب.......أنا مصري

عاصم صبحي يكتب.......أنا مصري
عاصم صبحي يكتب.......أنا مصري


حان موعد مقالي الشهري بمجلة لكني لم أشرع في كتابته بعد لسببين ، أولهما التكاسل و ارجاء الأعمال المهمة لآخر وقت ، لا أدري سبب لهذا الارجاء إلا أنه نوع من الاسترخاء يعقبه حالة من الاستنفار و شحذ الهمة و دفع النفس نحو العمل تحت ضغط لعلها تخرج أحسن ما لديها ، أما السبب الثاني فهو التشتت و عدم التركيز في موضوع بعينه و لهذا عدة أسباب أهمها الانشغال بأمور شخصية و لكثرة الأفكار و تداخلها أحيانًا و عجز أي فكرة عن فرض نفسها وسط هذه الأمواج من الأفكار ، و الآن و قد حل آخر وقت و حان موعد وضع النفس تحت ضغط العمل كنت أشاهد مباراة كرة قدم بين منتخب مصر القومي و منتخب بلجيكا ، و هي مباراة ودية في اطار استعداد منتخب بلجيكا لخوض بطولة كأس العالم لكرة القدم المقامة بدولة قطر ، و المباراة مقامة بدولة الكويت ، كنت أشاهد المباراة كنوع من حث النفس و تشجيعها لخوض مباراة فكرية بعد المشاهدة التي جاءت ممتعة و مفرحة إذ فاز منتخبنا القومي علي منتخب بلجيكا بهدفين لهدف واحد .
ارتفعت الروح المعنوية و زادت حماسة العمل و استعد الذهن للمباراة ، في حجرتي و قد أغلقت بابي عليّ ، و دخلت أجواء الملعب و فتحت كراستي و أمسكت بقلمي ، و أطلقت العنان لتفكيري في إرادة و تصميم لإنجاز العمل ، و إذا به يفرض نفسه علي تفكيري و يستحوذ علي نسبة كبيرة منه ، كيف لا و قد استحوذ منذ قليل علي انتباه كل من شاهد مباراة كرة القدم التي انتهت منذ قليل ، فرض نفسه علي متابعي المباراة حتي أن حضوره طغي علي أحداثها إلا في حالات استحواذ الفريق المصري علي الكرة و إذا ما كان هناك هجمة خطيرة للمنتخب المصري ، فرض نفسه علي منصة التواصل الاجتماعي فيسبوك أثناء مجريات المباراة إذ انهالت المنشورات تتحدث عنه و استمرت حتي انتهاء المباراة و تناسي الكل الحديث عن فوز منتخبنا القومي و تفاصيل الماتش ، إنه المذيع الاماراتي الجنسية عامر عبد الله الذي استطاع بخفة ظله و عفويته و حبه الشديد لتراب و هواء و مياه و ناس مصر أن يستحوذ علي حب و ود و اعجاب ملايين المتابعين إلا قلة قليلة منهم اعتبروه منافق و كلامه ينضح بالنفاق ، أي نفاق يا عزيزي و لماذا ؟!!
الرجل تغني بحب مصر كلها علي بعضها ، لم يفرق بين أي شئ أو أي أحد ، يحبها كما هي تغني " اللي بنا مصر كان في الأصل حلواني " ، الرجل مصري حتي و إن لم يكن يحمل الجنسية المصرية ، الرجل لولا الملامة لقالها " أنا مصري " .
جاء عنواني علي لساني أنا لا لسانه هو كنوع من الفخر بمصريتي التي أستطيع أن أعلنها علي الملأ دون أدني ملامة من أحد ، و دون خزي أو عار ، كيف لا و تاريخ وطني الذي تغني به الشقيق المذيع الاماراتي حين قال أن مصر أول من أرسلت المادة الاعلامية و التواريخ المهمة في صحفها القديمة و كاد يقول أقدم من دول الخليج كله لكنه خاف الملامة ، تاريخ وطني يحكي عن عظمة لا مثيل لها علي مر العصور و إن خفتت و تضائلت و كادت تتواري شعلة هذه العظمة في بعض الفترات ، لكن دائما و أبدًا يرسل الله سبحانه و تعالي من ينقذ مصر من عثرتها و من شدتها و يمد يده البيضاء لينتشلها من براثن الفساد و طمع الطامعين و كيد الخائنين ، و ينفض عنها تراب الظلم و الجهل ، و يعيد لها بريقها و رونقها و زهوها و عزها و غناها بنفس طيبة و قوة و صلابة الجبال و عزيمة و إرادة تذيب المحال حتي تنادي الناس بإسمه الذي حفر في القلوب و يُدعي له علي المنابر و يخلد التاريخ إسمه .
أتدري أن من حمل هذه الصفات و أخذ علي عاتقه إعادة هيبة مصر و مجدها لم يكن مصريًا ؟!! … نعم لم يكن مصريًا هكذا يخبرنا التاريخ ، فعلي سبيل المثال " أحمد بن طولون " ( ٨٣٥ م - ٨٨٤ م ) عراقي المولد تركي الأصل بالتحديد من بخاري و هو مؤسس الدولة الطولونية في مصر و الشام بعد أن استقل بمصر عن الخلافة العباسية فكان أول من استقل بمصر ، و هو صاحب مسجد ابن طولون الباقي إلي الآن و باني مدينة القطائع التي هدمت و كانت عاصمة الدولة الطولونية .
ثم يخبرنا التاريخ بشخصية أخري و هو " بدر الدين الجمالي " ( ١٠١٥ م - ١٠٩٤ م ) وزير مصر في عهد الخليفة الفاطمي المستنصر بالله الفاطمي فصار لقب بدر الدين الجمالي السيد الأجل أمير الجيوش سيف الاسلام ناصر الامام كافل قضاة المسلمين و هادي دعاة المؤمنين وزير السيف و القلم أبو النجم بدر المستنصري وزير الخليفة الفاطمي المستنصر بالله و مجدد القاهرة الفاطمية ، و هو باني القاهرة الثاني بعد جوهر الصقلي ، أنقذ مصر في الشدة المستنصرية ، قضي علي فساد الأتراك و المغاربة ، أعاد بناء القاهرة و توسع في رقعتها ، حب مصر فأحبه أهل مصر بعد أن أنصفهم و أعاد إليهم حقوقهم بالعدل و القسط ، فكان مصريًا عاشقًا لتراب مصر و مات و دفن بأرضها ، و كان هذا العاشق أرميني المولد مملوكًا لجمال الدولة بن عمار و لذلك لقب بالجمالي ، و إليه ينسب حي الجمالية بالقاهرة و مسجد الجيوسي علي حافة المقطم و مسجد العطارين بالاسكندرية .
و أخيرًا محمد علي باشا ( ١٧٦٩ م - ١٨٤٩ م ) مؤسس الأسرة العلوية و حاكم مصر ( ١٨٠٥ م - ١٨٤٨ م ) الألباني المولد و النشأة و هو في اختصار شديد مؤسس مصر الحديثة .
ثلاثة أمثلة لثلاث شخصيات حكموا مصر ، جاءوا إليها أقاموا فيها عشقوها حتي صارت تجري كالدماء في عروقهم فأصبحوا مصريين ، فبذلوا الجهد و المال في سبيل علو شأنها ، ذلك المال الذي أتوا به من أرضها و كنوزها و خيراتها التي لا تنضب علي مر العصور فأنفقوه علي أرضها و في سبيل أهلها و لمصلحتها .
أين كان رجال مصر في تلك الفترات التي سنحت الفرصة فيها لظهور هؤلاء الذين بعث الله بهم ليعملوا من شأن مصر ؟!! … كانوا مستضعفين في الأرض لا حيلة لهم ، لا ناقة لهم فيها و لا جمل ، يجثو علي أرضهم كل وضيع غاصب محتل طامع يعثو في الأرض فسادًا ، فأصبحوا في الجهل موحولين لا قدرة لهم علي تنظيم أنفسهم و لا خبرة لديهم في ادارة شئون أنفسهم ، حتي إذا أتي من يتوسمون فيه الخير فهو لا يملك الشجاعة الكافية لحمل الحمل الثقيل ، و لله الأمر من قبل و من بعد ، يؤتي الملك لمن يشاء و ينزعه ممن يشاء ، لا حيلة لمخلوق في أقدار الخالق .
لا ضير في أن يبوح و يعبر شخص ما بحبه و عن حبه لبلد ما غير بلده طالما لن ينتقص حبه هذا من حب وطنه الأصلي كما تغني المذيع الاماراتي بحبه لمصر ، و لا ضير أيضًا في اعتزازنا و فخرنا و تقديرنا لكل من يحب بلدنا و يقدرها ، فهو إن كان عاشقًا لوطني فهو بالتالي محب و ودود لأهل وطني ، و الود لا يقابل إلا بالود و الإحسان ، و إذا كان هناك من تضرر من هذا المذيع فإن العيب في المتضرر فليبحث في نفسه و في سريرته عن أسباب ضرره هذا ، و أعلم أنا كل العلم كما يقال في المثل " صوابعك مش زي بعضها " بمعني أنه إذا كان هناك من تغني بحب مصر فيالتأكيد هناك الكثير من من يكره و يحقد علي مصر و مكانتها ، لكن هذا لا يمنع من أن نحسن لمن يحبنا و نمد يد السلام و نبدي حسن النوايا لمن يكرهنا عسي أن يكون في احساننا محبته ، و إن لم يكن فالله خير حافظًا و هو أرحم الرحمين .
و أخيرًا شكرًا للمذيع الكريم عاشق مصرنا الحبيبة و شكرًا و مبروك لمنتخبنا القومي لكرة القدم فقد أسعدتنا و أثلجت صدورنا ، كتب الله لك النصر أينما حللت .. و السلام ختام .

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى عمر فاروق أبو المكارم يكتب .....من القلب إلى الصحفيين

معلومات الكاتب

 
Get new posts by email: