بالبحث في تعريف و معني كلمة تطوير وجدنا أنها اسم ، و هو مصدر طَوّر ، فتطوير الشئ يعني تعديله و تحسينه إلي ما هو أفضل ، كأن يطور الفرد منا حياته بأن يرتقي في مسكنه فينتقل من منزل إلي آخر قد يكون أوسع في مساحته ، أو قد يكون أهدأ من حيث منطقة السكني أو الحي ، أو كأن يطور الفرد منا حياته العملية بهدف تحسين دخله الشهري أو ارتقاء منصب وظيفي و ذلك بالاجتهاد و العمل علي تطوير مهاراته العلمية و الوظيفية .
أو قد يكون المستهدف من التطوير هو مبني كأن يكون مستشفي أو مدرسة أو مصنع ، أو أن يتسع المعني ليشمل تطوير مدينة أو حي في مدينة ، أو أكثر اتساعًا فنستهدف تطوير دولة و من ثم تطوير المجتمع الكائن داخل الدولة .
و لكل فرضية من فرضيات التطوير السابقة أساليبها و آلياتها تبعًا للهدف المنشود من التطوير ، فإن المطور له هدف بكل تأكيد و له أسلوب يحقق به الهدف ، و الأسلوب بكل تأكيد مدروس بعناية و محدد خطواته التنفيذية بكل دقة ، ذلك لمن ينشد النجاح و التوفيق ، كما أن المطور يجب أن يتحلي بالصبر و العزيمة و الارادة لتحقيق هدف التطوير .
تشهد بلدنا " مصر " منذ عقد من الزمان مرحلة تطور و تطوير واسعة النطاق ، و علي كافة المستويات ، و في مجالات شتي ، سياسية و اقتصادية و ثقافية و يالأخص اجتماعية ، فكأنني أري رأس النظام قد عَلّق علي بوابات مصر لافتة مكتوب عليها " مغلق للتجديدات " ، لكنها للأسف عُلقت من داخل البوابات لا من خارجها ، فيقرأها أهل و أصحاب البلد ، فأخذت الحكومة علي عاتقها مسئولية تطوير كل شئ دون الحاجة ليد المساعدة من الشعب ، فجمع زمام البلد كل الأزِمّة في يده فأصبح كل شئ بتوجيهه و برأيه .. و يا ليته ما فعل !! .
لا أدري متي كان هدم التراث التاريخي الثقافي للدولة ضمن عملية التطوير ، فليس من المنطق أن أزيل و أمحو من الوجود مكان يعد من الآثار ليحل محله كيان خرساني يسمي كوبري علوي للسيارات تحت مسمي التطوير ، فالمكان الأثري ليس مجرد آثارة و حسب و لكنه ، يحمل اسم رمز من رموز البلد ، البلد التي تزخر بأعلام و أسماء لها باع في تاريخ الأدب و الثقافة و العلم ، كأن أزيل مقبرة عميد الأدب العربي دكتور طه حسين ، أو أمحو من الوجود مقبرة عمرها تخطي العشرة قرون من الزمان ، فهي في حد ذاتها آثارة ، ثم كونها مقبرة لعَلَم من أعلام الاسلام هو قارئ القرءان الكريم صاحب الرواية الخاصة به المعترف بها و المقروءة من عدد لا يستهان به من المسلمين و هو المصري " عثمان بن سعيد بن عبد الله بن عمرو بن سليمان " و الملقب ب " وَرش " ( ١١٠ هـ - ١٩٧ هـ ) ، أفيعد إزالة مقبرته من الوجود ضمن التطوير ؟!! ، ما لكم كيف تحكمون ..
و هل يعقل أن أهدم مدفن " محمود سامي باشا البارودي " ( ١٢٥٥ هـ - ١٣٢٢ هـ ) و هو شاعر و وزير و أحد زعماء ثورة عرابي لصالح انشاء طرق و كباري ؟!! .
و في هذا الخضم من التطوير هناك تطوير خفي يتسلل و ينتشر بين جنباتنا و لا نكاد نشعر به و هو التطور الاجتماعي ، هذا الذي تفرد له دراسات و أبحاث ، يمر مجتمعنا المصري بفترة تحول و تطور هي من وجهة نظري المتواضعة الأعتي و الأعنف بل و الأخطر ، و أرجع هذه النظرة لسبب رئيسي و هو التكنولوجيا المفرطة .
بلا شك ليست هي المرحلة الأولي من تطور المجتمع المصري ، إذ أن المجتمع المصري العريق و الضارب في أعماق التاريخ قد مر بالعديد من مراحل التطور و التطوير ، و في كل مرحلة انتقالية يتحصن المجتمع بموروثات و عادات و تقاليد تحميه و تقيه فتن المرحلة التي هو مقبل عليها ، ثم إذا به يحسن و ينقح و يضيف ايجابيات من شأنها اعانته علي خوض مرحلته الجديدة و تكون موروث جديد إذا ما انتقل لمرحلة أخري و هكذا ..
و لمّا كانت العشر سنوات الأخيرة و خاصة في أعقاب ثورة يناير ٢٠١١ بدأنا نشهد تغيرات كثيرة و كبيرة في سلوكيات المجتمع المصري ككل ، غنيه و فقيره ، كبيره و صغيره ، و جميعها تسير إلي منحدر أخلاقي ثقافي مهني سياسي اقتصادي و ديني ، متأثرة في انحدارها باهمال أهم عنصر في رقي المجتمعات و هو التعليم ، إذ تقلص الاهتمام بالتعليم في الدولة إلي أدني درجاته ، فقد المجتمع أحد أهم ينابيع الثقافة ، فدلفنا إلي طريق المهرجانات و من ثم طغت ثقافة السبوبة التي ليس لها رادع لا ديني و لا أخلاقي ، مدعومة بتكنولوجيا مفرطة احتوت الصغير و الكبير ، فتساقطت الموروثات الداعمة للمجتمع و المحصنة له الواحدة تلو الأخري إلا من رحم ربي .
إلي أين نُساق ؟! .. لا أعلم ، هل من أمل في الحد من حدة الانحدار و لا أقول ايقافه ؟! لا أعلم ، لكني أعلم أن عقلاء الوطن و محبيه و حكمائه لا يزالون بخير و إن انزووا و خفت صوتهم في مقابل نعيق الفوضي ، فإن أمسينا تحت رحمة تطوير قليل منه نافع و كثير منه فاسد فلندعم هذا القليل النافع و نصبر عليه حتي يؤتي ثماره و لو بعد حين فينتفع بها أبنائنا و تكون لهم عضد و ركن شديد يأووا إليه يوم تشتد الشدائد ..
