عاصم صبحي يكتب......قيد التطوير

عاصم صبحي يكتب......قيد التطوير
عاصم صبحي يكتب......قيد التطوير


بالبحث في تعريف و معني كلمة تطوير وجدنا أنها اسم ، و هو مصدر طَوّر ، فتطوير الشئ يعني تعديله و تحسينه إلي ما هو أفضل ، كأن يطور الفرد منا حياته بأن يرتقي في مسكنه فينتقل من منزل إلي آخر قد يكون أوسع في مساحته ، أو قد يكون أهدأ من حيث منطقة السكني أو الحي ، أو كأن يطور الفرد منا حياته العملية بهدف تحسين دخله الشهري أو ارتقاء منصب وظيفي و ذلك بالاجتهاد و العمل علي تطوير مهاراته العلمية و الوظيفية .
أو قد يكون المستهدف من التطوير هو مبني كأن يكون مستشفي أو مدرسة أو مصنع ، أو أن يتسع المعني ليشمل تطوير مدينة أو حي في مدينة ، أو أكثر اتساعًا فنستهدف تطوير دولة و من ثم تطوير المجتمع الكائن داخل الدولة .
و لكل فرضية من فرضيات التطوير السابقة أساليبها و آلياتها تبعًا للهدف المنشود من التطوير ، فإن المطور له هدف بكل تأكيد و له أسلوب يحقق به الهدف ، و الأسلوب بكل تأكيد مدروس بعناية و محدد خطواته التنفيذية بكل دقة ، ذلك لمن ينشد النجاح و التوفيق ، كما أن المطور يجب أن يتحلي بالصبر و العزيمة و الارادة لتحقيق هدف التطوير .
تشهد بلدنا " مصر " منذ عقد من الزمان مرحلة تطور و تطوير واسعة النطاق ، و علي كافة المستويات ، و في مجالات شتي ، سياسية و اقتصادية و ثقافية و يالأخص اجتماعية ، فكأنني أري رأس النظام قد عَلّق علي بوابات مصر لافتة مكتوب عليها " مغلق للتجديدات " ، لكنها للأسف عُلقت من داخل البوابات لا من خارجها ، فيقرأها أهل و أصحاب البلد ، فأخذت الحكومة علي عاتقها مسئولية تطوير كل شئ دون الحاجة ليد المساعدة من الشعب ، فجمع زمام البلد كل الأزِمّة في يده فأصبح كل شئ بتوجيهه و برأيه .. و يا ليته ما فعل !! .
لا أدري متي كان هدم التراث التاريخي الثقافي للدولة ضمن عملية التطوير ، فليس من المنطق أن أزيل و أمحو من الوجود مكان يعد من الآثار ليحل محله كيان خرساني يسمي كوبري علوي للسيارات تحت مسمي التطوير ، فالمكان الأثري ليس مجرد آثارة و حسب و لكنه ، يحمل اسم رمز من رموز البلد ، البلد التي تزخر بأعلام و أسماء لها باع في تاريخ الأدب و الثقافة و العلم ، كأن أزيل مقبرة عميد الأدب العربي دكتور طه حسين ، أو أمحو من الوجود مقبرة عمرها تخطي العشرة قرون من الزمان ، فهي في حد ذاتها آثارة ، ثم كونها مقبرة لعَلَم من أعلام الاسلام هو قارئ القرءان الكريم صاحب الرواية الخاصة به المعترف بها و المقروءة من عدد لا يستهان به من المسلمين و هو المصري " عثمان بن سعيد بن عبد الله بن عمرو بن سليمان " و الملقب ب " وَرش " ( ١١٠ هـ - ١٩٧ هـ ) ، أفيعد إزالة مقبرته من الوجود ضمن التطوير ؟!! ، ما لكم كيف تحكمون ..
و هل يعقل أن أهدم مدفن " محمود سامي باشا البارودي " ( ١٢٥٥ هـ - ١٣٢٢ هـ ) و هو شاعر و وزير و أحد زعماء ثورة عرابي لصالح انشاء طرق و كباري ؟!! .
و في هذا الخضم من التطوير هناك تطوير خفي يتسلل و ينتشر بين جنباتنا و لا نكاد نشعر به و هو التطور الاجتماعي ، هذا الذي تفرد له دراسات و أبحاث ، يمر مجتمعنا المصري بفترة تحول و تطور هي من وجهة نظري المتواضعة الأعتي و الأعنف بل و الأخطر ، و أرجع هذه النظرة لسبب رئيسي و هو التكنولوجيا المفرطة .
بلا شك ليست هي المرحلة الأولي من تطور المجتمع المصري ، إذ أن المجتمع المصري العريق و الضارب في أعماق التاريخ قد مر بالعديد من مراحل التطور و التطوير ، و في كل مرحلة انتقالية يتحصن المجتمع بموروثات و عادات و تقاليد تحميه و تقيه فتن المرحلة التي هو مقبل عليها ، ثم إذا به يحسن و ينقح و يضيف ايجابيات من شأنها اعانته علي خوض مرحلته الجديدة و تكون موروث جديد إذا ما انتقل لمرحلة أخري و هكذا ..
و لمّا كانت العشر سنوات الأخيرة و خاصة في أعقاب ثورة يناير ٢٠١١ بدأنا نشهد تغيرات كثيرة و كبيرة في سلوكيات المجتمع المصري ككل ، غنيه و فقيره ، كبيره و صغيره ، و جميعها تسير إلي منحدر أخلاقي ثقافي مهني سياسي اقتصادي و ديني ، متأثرة في انحدارها باهمال أهم عنصر في رقي المجتمعات و هو التعليم ، إذ تقلص الاهتمام بالتعليم في الدولة إلي أدني درجاته ، فقد المجتمع أحد أهم ينابيع الثقافة ، فدلفنا إلي طريق المهرجانات و من ثم طغت ثقافة السبوبة التي ليس لها رادع لا ديني و لا أخلاقي ، مدعومة بتكنولوجيا مفرطة احتوت الصغير و الكبير ، فتساقطت الموروثات الداعمة للمجتمع و المحصنة له الواحدة تلو الأخري إلا من رحم ربي .
إلي أين نُساق ؟! .. لا أعلم ، هل من أمل في الحد من حدة الانحدار و لا أقول ايقافه ؟! لا أعلم ، لكني أعلم أن عقلاء الوطن و محبيه و حكمائه لا يزالون بخير و إن انزووا و خفت صوتهم في مقابل نعيق الفوضي ، فإن أمسينا تحت رحمة تطوير قليل منه نافع و كثير منه فاسد فلندعم هذا القليل النافع و نصبر عليه حتي يؤتي ثماره و لو بعد حين فينتفع بها أبنائنا و تكون لهم عضد و ركن شديد يأووا إليه يوم تشتد الشدائد ..

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق عمر فاروق أبو المكارم يكتب .....الشهرة بين الماضي والحاضر
التالى ثورة 30 يونيو.. 13 عامًا من استعادة الدولة وبناء الجمهورية الجديدة

معلومات الكاتب

 
Get new posts by email: