عاصم صبحي يكتب ....كيف يعيش المصريون ؟ .. تحديات يومية و روح صامدة

عاصم صبحي يكتب ....كيف يعيش المصريون ؟ .. تحديات يومية و روح صامدة
عاصم صبحي يكتب ....كيف يعيش المصريون ؟ .. تحديات يومية و روح صامدة


أمشي في الشوارع ، أركب و أستخدم وسائل المواصلات العامة ( الترام ) ، و سيارات الأجرة ( الميكروباص ) ، و أحيانًا شركات النقل الخاصة ( أوبر ) .
أشتري مستلزمات المنزل من مأكل و مشرب من الأسواق العامة و من محلات السوبر ماركت و منتجات الألبان ، أحيانًا في بحبوحة و أحيانًا في أضيق الحدود ، أحيانًا أشتري ما هو فاخر ، و أحيانًا أكتفي بما هو في متناول اليد من النقود ، دون التنازل عن الحد الأدنى لجودة المنتج .
أختلط بالناس ، هنا و هناك ، قريب و صديق و معرفة سطحية ، و من دون معرفة أيضًا ، منهم الغني ، و الغني درجات ، و منهم المتوسط و هم درجات ، كذلك الفقير علي درجاته ، شبكة من العلاقات ، قد تتسع أحيانًا و قد تضيق حتي أصبح أنا صديق نفسي و رفيقها ، أتفاعل بالحزن في المواقف الحزينة ( من القلب ) ، و بالفرح في الفرح ( من القلب ) ، اجتماعي بالطبع .
أعيش في مصر ، تحديدًا في الاسكندرية ، في حي يعتبر من الأحياء المتوسطة ، تحديدًا درجة متقدمة من درجات الوسط .
إذا كنت اجتماعي الطبع ، فإنني اجتماعي الدراسة ، فأنا خريج كلية الآداب قسم اجتماع ، تاريخي الهوي ، أعشق التاريخ ، أقرأه بغزارة ، لعدة أسباب أهمها كما أسلفت الحب .
كتبت و أكتب و سوف أكتب بإذن الله تعالي ، عن كل ما أراه و أعيشه و أنفعل به و أتفاعل معه اجتماعيًا ، و لما كان علم الاجتماع هو البوتقة التي تختلط فيها و تتفاعل كل العلوم الاجتماعية ، فإن حياة المصريين - و أنا منهم - الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية ، تثير فضولي دائما ، أراقب و أتأمل ، و مما أثار فضولي حاليًا و بشدة ، و في ظل ظروف اقتصادية و اجتماعية متردية ، سؤال أطرحه علي نفسي و عليك عزيزي القارئ ، محاولًا تفسيره و دراسته ، لإيجاد رد عليه ، كيف يعيش المصريون الآن في ظل هذه الظروف الاقتصادية الوعرة ؟! ، كيف يحاول المصريون التأقلم مع ارتفاع الأسعار ، و تدني الأجور ، و الظروف الاجتماعية المتدهورة ؟! .
شهدت مصر و تشهد موجات متتالية من ارتفاع الأسعار ، خاصة بعد تحرير سعر الصرف و تطبيق برنامج الاصلاح الاقتصادي ، تضاعفت أسعار السلع الأساسية مثل الغذاء و الدواء و الوقود ، بينما بقيت الأجور شبه ثابتة .
فأصبحت السلع التي كانت في متناول الأسرة المتوسطة لم تعد في المتناول ، و اضطر الكثيرون لإعادة ترتيب أولوياتهم الإستهلاكية ، حيث أصبحت اللحوم و الفواكه من الكماليات بالنسبة لشرائح واسعة .
الموظفون و العمال يعانون من ثبات الأجور في وقت ترتفع فيه الأسعار بمعدلات قياسية ، فأصبح الحد الأدنى للأجور غير كاف لتغطية الاحتياجات الأساسية لأسرة صغيرة ، هذه الفجوة بين الدخل و الانفاق دفعت الكثيرين للبحث عن مصادر دخل اضافية ، حيث انتشرت ظاهرة العمل في أكثر من وظيفة خاصة بين الشباب ( المتعلم منهم ) ، أما شباب المناطق الفقيرة الأنصاف متعلمين فالتوك توك هو السبيل لكسب الرزق ( إن لم تكن تجارة المخدرات ) ، أو عامل توصيل طلبات علي دراجة بخارية أو هوائية ، أو سيرًا علي الأقدام ( ذكور و إناث ) .
و في سبيل التأقلم مع الحياة اليومية ، طور المصريون استراتيجيات متعددة للتكيف مع الأزمة ، كالإعتماد علي البدائل ، و اللجوء لمنتجات أقل جودة ( تدني الذوق العام ) ، أو البحث عن عروض التخفيضات ، و تقليل الاستهلاك في خفض عدد الوجبات أو تقليل المصروفات غير الضرورية .
كما زاد الاعتماد علي شبكة الأقارب و الأصدقاء المقربين في تبادل الدعم المادي و المعنوي ( سلفني شكرًا ) ، و ارتفعت نسبة الهجرة سواء داخليًا أو خارجيًا ، بحثًا عن فرص أفضل في المدن الجديدة أو خارج البلاد ، و هذا ما تشهده مدينة الاسكندرية ، فقد ارتفعت نسبة الوافدين إليها من مختلف المحافظات ( قبلي و بحري ) .
اجتماعيًا و نفسيًا ، خلقت الأزمة الاقتصادية ضغوطًا نفسية كبيرة علي الأسر ، حيث زادت معدلات الطلاق و المشاكل الأسرية بسبب الخلافات المالية ، كما انخفضت معدلات الزواج بنسبة كبيرة بسبب ارتفاع تكاليفه ، أدت بالتالي إلي انخفاض معدلات المواليد ، هذا الانخفاض - معدلات المواليد - تتباهي به الحكومة كإنجاز يحسب لها ، و هو أمر لو تعلمون عظيم ، فقوة مصر في شبابها الدائم .
كما تأثرت الصحة النفسية للكثيرين بفعل القلق المستمر علي المستقبل ، و تأثرت المستويات التعليمية و الصحية مع عجز الأسر عن توفير تعليم جيد أو رعاية صحية مناسبة .
فكانت القطاعات الأكثر تضررًا هي فئات محدودي الدخل و كبار السن ، و ذوي الدخل الثابت بشكل أكبر من الأزمة ، كما عانت الطبقة المتوسطة من انكماش حاد ، حيث انزلقت أسر كثيرة إلي دائرة الفقر ، و أصبحت الفجوة بين الأغنياء و الفقراء أكثر اتساعًا ، و استفزازًا لمشاعر الفقراء .
رغم القسوة الظاهرة للواقع الاقتصادي ، إلا أن الناس عامة في الشوارع يعبرون عن مرونة شديدة في مواجهة التحديات ، رغم تذمرهم الواضح و عدم رضاهم عن هذا الواقع ، إذ أن لديهم أمل في أن تؤدي الاصلاحات الاقتصادية ( المزعومة ) إلي تحسين الوضع علي المدي المتوسط ، لكن المعاناة اليومية تظل قاسية .
عليه ، فإن الشعب يظل في حاجة إلي سياسات حماية اجتماعية أكثر فاعلية ، و إلي دعم للقطاعات المنتجة ، و مراعاة البعد الاجتماعي في أي اصلاحات اقتصادية مقبلة ، لا إلي تقليص و تخفيض و إلغاء الدعم ، و لا إلي زيادة ضرائب بأشكالها و مسمياتها ، و لا إلي طرد من السكن و العمل بعد خمس أو سبع سنوات .
نحن نعيش في ظل الأزمة الاقتصادية حياة تقوم علي التضحية و الصبر و الابتكار في ادارة الشؤون اليومية ، و رغم الصعوبات ، تظل الروح المصرية المتحدية صامدة ، متشبثة بالأمل في غد أفضل ، لكن الصمود يحتاج إلي دعم بمزيد من السياسات العادلة التي تخفف العبء عن كاهل المواطن البسيط و توفر له حياة كريمة ( بحق ) تستحق التضحيات التي يقدمها يوميًا .
لنا الله و لله الأمر من قبل و من بعد .

 

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى في عيد العمال...قيادة تلهم وسواعد تنجز ...إيهاب الفقي وفريقه نموذجا لصناعة النجاح في كهرباء الإسكندرية

معلومات الكاتب

 
Get new posts by email: