ما إن يحل الليل على شوارع مصر حتى يبدأ العرض الكبير.. كلاب تصول وتجول، نباح يعلو على ضجيج السيارات، وأشباح بشرية تبحث عن ممر آمن. ومع ذلك، هناك من يُصر أن هذا المشهد (علامة تحضُّر!).
لقد أصبح مشهدًا مألوفًا.. شارع مكتظ، طفل صغير، عابر طريق مطمئن ثم فجأة قطيع من الكلاب يقرر أن يمارس حقه في (السيادة). عندها يتحول المشي على الرصيف إلى مغامرة أشبه ببرنامج (خليك شجاع).
المثير للسخرية ليس وجود الكلاب فحسب، بل الأصوات المرتفعة التي تنادي ببقائهم كجزء من نسيج المجتمع، وكأننا أمام انتخابات بلدية يُفترض أن نمنحهم فيها مقاعد شرفية بالمجلس المحلي.. نعم، نحن نتحدث عن تلك الحملات التي تطالب (بالتعايش)، بينما الواقع يخبرنا أن بعض هذا التعايش ينتهي في طوارئ المستشفيات، وربما في صفحات الوفيات.
لا أحد ينكر أن الكلاب مخلوقات لها حق في الحياة، ولكن منذ متى كان من المنطقي أن نتشارك نفس الشارع بنفس الشروط؟! الكلاب - بكل احترام - لها بيئتها الطبيعية، ولنا نحن البشر بيئتنا التي نعرفها، ولا داعي لخلط العوالم، فالمدينة ليست غابة، والرصيف ليس حديقة سفاري مفتوحة.
الغريب أن المدافعين عن (حقوق الكلاب الشارعية) يغضون الطرف عن حقوق الأطفال الذين يضطرون إلى تغيير طريقهم إلى المدرسة، وعن الأمهات اللواتي (يُجرين) حفلات يومية من الركض الإجباري، حيث أنهن (يَجرين) خوفًا من مطاردة مفاجئة، فهل هُنَّ أقل استحقاقًا للتعاطف؟!
إن السخرية الحقيقية ليست في وجود الكلاب نفسها، بل في من يُصرون على التعامل مع الأزمة وكأنها فيلم كرتوني بريء: البشر يضحكون مع الكلاب، الكلاب تُلَوِّح بأذيالها، والمشهد ينتهي بغروب رومانسي على الكورنيش. أما الواقع، فهو سُعار، وندوب، وأحيانًا قبور.
إذًا فإن الأعجب من الكلاب نفسها، هم بعض "النشطاء" الذين نصبوا أنفسهم محامين عنها، يطالبون بدمجها في حياتنا اليومية وكأننا بحاجة إلى (برنامج شراكة إنسان - كلب).. تسمعهم يتحدثون فتظن أنهم يدافعون عن أسرى حرب، لا عن قطيع يحتل الأرصفة!.
هؤلاء السادة يرون في النباح موسيقى تصويرية للمدينة، وفي المطاردات رياضة هوائية مجانية، وفي العقر حقن فيتامينات طبيعية!، بقي أن يطالب بعضهم بمنح الكلاب بطاقات رقم قومي، والأدهى أنهم يتجاهلون - ببرود يُحسَدون عليه - ضحايا تلك الكلاب: الأطفال الذين يعودون بدموعهم بدل كراساتهم، والعابرين الذين يودُّون لو أن الشارع مجهز بخط مترو أنفاق للهروب من المفاجآت الكلبية، ومع ذلك، يأتي الناشط متجهِّمًا ليحاضرنا عن الرحمة، وكأن الرحمة لا تشمل البشر أصلًا، فهكذا هو (إنسان متحضِّر!).
إنها كوميديا سوداء: يُراد منا أن نعتاد على الخطر ونصفق له بدعوى التحضر، لكن السؤال البسيط: هل يقبل أي ناشط منهم أن يعيش أولاده في حي محاصَر بالنباح والعقر؟ أم أن المسألة مجرد شعارات تُطلق من مقاعد مكيَّفة بعيدًا عن الأرصفة الحقيقية؟
إن هذه المأساة التي باتت متكررة، إن أردنا حقًّا إنهائها دون الدخول في حلول مكلفة أو بعيدة عن الواقع، فيجب أن يكون الحل عمليًا وبسيطًا، يراعي عادات المصريين ويستغل الموارد المتاحة.
فعلى سبيل المثال:
أولًا: يمكن تخصيص أماكن صغيرة مؤقتة للكلاب في كل حي، مثل مساحات رملية أو فناءات مهجورة، مزودة بمياه وطعام يتم توزيعه يوميًا بالتعاون مع جمعيات محلية ومتطوعين.. والفكرة هنا ليست إنشاء "مدن كلبية فخمة"، بل إيجاد مساحات قابلة للتطبيق بسرعة وبكلفة منخفضة تمنع الكلاب من التجوال في الشوارع المزدحمة.
ثانيًا: التسجيل والتتبع البسيط، حيث يمكن للجهات المحلية تسجيل الكلاب في هذه المناطق، مع وضع علامات مميزة لكل كلب (مثل رباط ملون أو بطاقة بسيطة) لتسهيل التعرف عليها، دون الحاجة إلى شرائح رقمية أو تقنيات مكلفة.
ثالثًا: التوعية العملية للمواطنين، فتقوم الجهات المعنية بتعليم الأطفال والبالغين طرق التعامل الآمن مع الكلاب، وتشجيع الأهالي على عدم إطعامها في الشوارع، بينما تُوجَّه الوجبات والمياه إلى المناطق المخصصة، وهذه الطريقة من شأنها أن تبني وعيًا تدريجيًّا دون فرض قيود صارمة.
وأخيرًا: مشاركة المجتمع المحلي والجمعيات البيطرية، وذلك عبر إشراك سكان الحي في رعاية المناطق المخصصة، بحيث يشعر الناس بأنهم جزء من الحل، مع دور رقابي بسيط من الجهات المحلية.
بهذه الطريقة وهذا التسلسل أعلاه، نضمن أمان المواطنين على الأرصفة والشوارع، ونتجنب المخاطر اليومية التي يواجهها الأطفال وأهاليهم، بينما تُوجَّه الكلاب إلى أماكن محددة يمكن مراقبتها وإدارتها بسهولة.. الحل بسيط، واقعي، قابل للتطبيق، ويعكس فهمًا لثقافة المجتمع المصري وقدراته الاقتصادية، بعيدًا عن الشعارات الرومانسية أو المبالغات العاطفية التي تنسى أولويتنا كبشر، حيث الحياة الآمنة لنا أولًا، والحلول العملية للكلاب بعد ذلك.
نحن لسنا أعداء للكلاب، لكننا أيضًا لسنا أعداء لأنفسنا، الحل ليس في إبادة عشوائية ولا في تلميع رومانسي، بل في الاعتراف بأن لكل كائن بيئة، وأن خلط البيئات ينتج دائمًا عُنفًا لا شِعرًا.
