بقلم / نسرين عبد الرحيم
ليست الصين مجرد قوة اقتصادية صاعدة، بل تجربة إنسانية وتنموية متكاملة، لا يمكن فهمها عبر الأرقام أو العناوين السريعة. فمن يزور الصين بعمق، يدرك سريعاً أن ما تحقق هناك هو ثمرة رؤية طويلة المدى، تضع الإنسان في قلب مشروع النهضة.
رغم أنني زرتُ الصين سابقاً ضمن وفد رسمي، فإن زيارتي الأخيرة كانت مختلفة كلياً. جاءت هذه المرة عبر مشاركتي في ورشة عمل متخصصة نظمتها وزارة التجارة في جمهورية الصين الشعبية بالتعاون مع مركز فوجيان للتعاون الاقتصادي الدولي، واستمرت لعشرين يوماً، لم تكن سياحة بقدر ما كانت رحلة وعي ومعرفة.
تجربة تدريبية بعقل الدولة
تميز البرنامج بتنظيم احترافي ومحتوى غني، جمع بين المحاضرات المتخصصة والزيارات الميدانية. وقد قدم صورة شاملة عن الظروف الوطنية الأساسية للصين، والنظامين السياسي والاقتصادي، والسياسات الاقتصادية الراهنة، إلى جانب تحليل معمق لمسار التحديث الصيني النمط ودوره في دفع النهضة الشاملة.
ولفتت الورشة الانتباه إلى كيفية تطوير القوى الإنتاجية المتقدمة في العصر الرقمي، من خلال الابتكار، والتحول الرقمي، وبناء حكومة خدمات وحكومة قانونية قادرة على مواكبة متطلبات العصر الجديد.
الاقتصاد الخاص وريادة الشباب
كان محور تنمية الاقتصاد الخاص بجودة عالية في مقاطعة فوجيان من أبرز محاور النقاش، حيث عرضت التجربة الصينية نماذج ناجحة لتحسين بيئة الأعمال، ودعم الاقتصاد الرقمي، وتهيئة مناخ محفز لريادة الأعمال، خاصة للشباب، باعتبارهم محركاً رئيسياً للتنمية المستقبلية.
كما تناولت الورشة تجارب الصين في إصلاح الحكومة، وتحسين الأخلاقيات المهنية، والحكم وفقاً للقانون، بما يضمن الاستقرار ويعزز الثقة بين الدولة والمجتمع.
من القاعات إلى الواقع
لم تقتصر التجربة على القاعات الدراسية، بل شملت زيارات ميدانية لعدد من المدن والمواقع التاريخية والثقافية، من بينها السبع أزقة والثلاث مسارات، ومدينتا تشانغتشو وشنهاي، ومتحف التصميم العمراني بمدينة فوتشو، حيث برز بوضوح كيف تنجح الصين في الجمع بين التخطيط العمراني الحديث والحفاظ على الهوية الثقافية.
الحزام والطريق: شراكة لا شعارات
وفي سياق التعاون الدولي، قدمت الورشة قراءة واقعية لـ مبادرة الحزام والطريق، باعتبارها إطاراً لشراكات تنموية قائمة على المصالح المتبادلة، خصوصاً مع الدول العربية، بعيداً عن منطق الهيمنة أو الإملاءات.
الصين كما تُعاش
بعيداً عن الجداول والمحاضرات، تركت الشوارع الصينية المنظمة، والنظافة العامة، واحترام الوقت، وودّ الناس، أثراً عميقاً، مؤكدة أن التنمية الحقيقية تبدأ من الإنسان وسلوكه اليومي.
تحية للدبلوماسية الصينية في مصر
ولا يمكن إغفال الدور الإيجابي الذي يقوم به السيد يانغ يي، قنصل عام الصين بالإسكندرية، الذي قدّم نموذجاً راقياً للدبلوماسية الهادئة، وأسهم في تعزيز جسور التفاهم الإنساني والثقافي بين الشعبين المصري والصيني.
خاتمة
لم تكن الأيام العشرون مجرد برنامج تدريبي، بل نافذة لفهم كيف تفكر الصين، وكيف تخطط، وكيف توازن بين الأصالة والتحديث. خرجت من هذه التجربة بإدراك أعمق أن ما حققته الصين لم يكن صدفة، بل نتيجة رؤية واضحة، وإدارة واعية، واحترام حقيقي للإنسان.
رأيتُ الصين بأعيننا…
لا كما تُروى، بل كما هي في واقعها.
