عاصم صبحي يكتب .....ألم بدون ألم

عاصم صبحي يكتب .....ألم بدون ألم
عاصم صبحي يكتب .....ألم بدون ألم


يحضرني في مثل هذا التوقيت من كل عام ذكري أليمة ، جرت أحداثها منذ ربع قرن تقريبًا ، كنت في مستهل الثلاثينيات من عمري ، ناجح في عملي ، طموح ، أسعي نحو الترقي ، مُقدِم علي مشروع زواج ، إلا أن الرياح أتت بما لا أشتهي ، انقلب كل شيء رأسًا علي عقب ، مما سبب لي ألم ، بل آلام شديدة ، و لعلها المرة الأولي التي أبوح فيها عن مكنون آلامي هذه ، محاولًا في هذه المقالة أن أسلط الضوء علي مسببات الألم حين يتجاوز الألم حدود الجسد .
الألم مفهوم معقد يتجاوز بكثير مجرد استجابة عصبية لمحفز ضار ، فهناك حالات عديدة يشعر فيها الانسان بألم عميق رغم عدم وجود سبب عضوي مباشر ، مما يطرح تساؤلات فلسفية و نفسية عميقة حول طبيعة المعاناة الانسانية .
يعد الألم النفسي أحد أبرز تجليات الألم بلا ألم ، فخسارة عزيز ، أو الفشل في علاقة مهمة ، أو الصدمات العاطفية يمكن أن تسبب معاناة لا تقل حدة عن الألم الجسدي ، بل قد تفوقها في بعض الأحيان ، و في مثل حالتي قد يصاحبه ألم جسدي يستدعي العرض علي الأطباء .
مَن منا لا يحن إلي الماضي و ذكرياته الجميلة ؟! ، إن الحنين إلي الماضي يمكن أن يحمل شعورًا بألم غريب ، فهو ألم لشيء جميل لم يعد موجودًا .
الكاتب ميلان كونديرا وصف هذا التناقض بقوله :" الحنين هو الألم الناتج عن رغبة عائدة لا تقاوم للعودة إلي زمن لن يعود " ، هذا الألم الوجودي لا علاقة له بإصابة جسدية ، و مع ذلك فهو حقيقي و مؤثر .
أحيانًا ، معاناة الآخرين نشعر بها كأنها معاناتنا ، التعاطف الشديد مع تلك المعاناة يمكن أن يولّد شعورًا بالألم الذاتي ، الأبحاث في علم الأعصاب تظهر أن مراقبة شخص يتألم يمكن أن تنشط نفس الدوائر العصبية لدي المراقب ، فيبدو كما لو كان هو من يتألم ، هذه الظاهرة تؤكد الترابط العميق في التجربة الانسانية .
قد يشعر الانسان أحيانًا بألم عميق ناتج عن أسئلة وجودية ، أو أزمات روحية ، فالشعور بالفراغ أحيانًا يكون قاتل ، كذلك التساؤل عن معني الحياة ، أو الاغتراب الوجودي ، جميعها يمكن أن يتجسد كألم حقيقي ، الفيلسوف سورين كيركغور تحدث عن " مرض إلي الموت " كشكل من المعاناة الوجودية التي لا تعالج بالمسكنات .
كذلك الوحدة و الاحساس بالتهميش الاجتماعي يمكن أن يسببا ألمًا حقيقيًا ، ففي دراسة أجرتها جامعة كاليفورنيا عام ٢٠٠٣ أظهرت أن الشعور بالرفض الاجتماعي ينشط مناطق في الدماغ مسؤولة عن معالجة الألم الجسدي ، مما يفسر لماذا نستخدم مصطلحات جسدية لوصف الألم العاطفي مثل " قلب مكسور " أو " جرح المشاعر " .
يبدو أنني أسهبت في الحديث ، بقي أن أقول أن مصيبتي التي منيت بها سببت لي ألم نفسي و جسدي استدعي العرض علي الأطباء ، أجمعوا علي أن ليس هناك أي مرض جسدي بل معاناتك نفسية بحتة ، إذًا فالألم بدون ألم ليس تناقضًا لغويًا ، بل هو تعبير عن تعقيد التجربة الانسانية ، و مما لا شك فيه أن الألم و المعاناة جزء من مسار النمو الانساني ، هذه الأشكال من الألم تذكرنا أن الانسان كائن متعدد الأبعاد ، و أن معاناته قد تنبع من مصادر تتجاوز المادي و الملموس ، لكنها تبقي حقيقية و تستدعي التفهم و المواساة .

 

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى شيلة الصابرين

معلومات الكاتب

 
Get new posts by email: