عاصم صبحي يكتب.....أما مصر فأين هي ؟

عاصم صبحي يكتب.....أما مصر فأين هي ؟
عاصم صبحي يكتب.....أما مصر فأين هي ؟
في كتابه الفذ "شخصية مصر" , يرى الجغرافي و المفكر جمال حمدان أن مصر تمتلك عبقرية مكان فرضت عليها تجانسًا بشريًا و حضاريًا نادرًا . لكن الجغرافيا الثابتة لا تعني أن البشر لا يتغيرون . و السوائل الاستنكاري الذي طرحه الكاتب الراحل أحمد بهاء الدين يومًا : "أما مصر فأين هي ؟ , يعود ليفرض نفسه اليوم بشدة : أين ذهبت الملامح الأصيلة للشخصية المصرية ؟ و كيف أعادت أحداث ما بعد يوليو ١٩٥٢ صياغة "المواطن المصري" ؟ . لم تكن ثورة ( أو حركة ) يوليو ١٩٥٢ مجرد تغيير في نظام الحكم الملكي إلي جمهوري , بل كانت زلزالاً اجتماعيًا أعاد هندسة الهوية المصرية . قبل ١٩٥٢ ، كانت الهوية "المصرية الوطنية" ( الليبرالية ) هي السائدة ، و المتمثلة في شعار ثورة ١٩١٩ "الدين لله و الوطن للجميع" . بعد ١٩٥٢ ، تم تذويب هذه الخصوصية لصالح المد القومي العربي ، فأصبحت مصر"الإقليم الجنوبي" في الجمهورية العربية المتحدة . هذا التحول ، رغم بريقه السياسي آنذاك ، جعل الهوية المصرية تابعة لمحيط أوسع ، مما أضعف الرابطة الوطنية المحلية الدقيقة . صعود الطبقة الوسطى الجديدة ( أبناء الفلاحين و العمال الذين نالوا قسطًا من التعليم بفضل مجانية التعليم ) غيٓر من طبيعة النخبة الثقافية . اختفت النخبة "الفرنكوفونية" و الأرستقراطية ، و ظهرت نخبة تكنوقراطية موالية للسلطة ، ما أثر علي نمط الابداع و الفنون . و إذا كانت الخمسينيات قد صبغت مصر باللون القومي و الاشتراكي ، فإن السبعينيات أحدثت شرخًا هائلًا في الشخصية المصرية عبر رافدين . أولهما ، عصر الانفتاح الاقتصادي ( السداح مداح ) ، حيث تحول المجتمع من قيم الإنتاج و الزراعة إلي قيم الاستهلاك و السمسرة . ظهرت "الفهلوة" كآلية للبقاء ، و اهتزت قيمة العمل الجاد . ثانيهما ، الهجرة إلى الخليج ( الوهبنة الثقافية ) ، حيث سافر ملايين المصريين للعمل في الخليج ، و عادوا محملين ليس فقط بالأموال ، بل بثقافة دينية و اجتماعية مغايرة تمامًا للتدين المصري الوسطي التقليدي . تراجع "الاسلام النيلي" المتسامح و الممتزج بالتصوف و الفنون ، لصالح فكر سلفي صحراوي ، تحولت معه الهوية البصرية لمصر ( انتشار النقاب ، اختفاء السينمات في الأقاليم ، و تشدد الخطاب الديني ) . نتيجة لهذه التراكمات ، أصيبت الشخصية المصرية ببعض الندوب التي نراها واضحة اليوم ، علي سبيل المثال : ازدواجية التدين و عشوائيته ، حيث أصبح التدين شكليًا و طقوسيًا في الغالب ، دون انعكاس حقيقي على السلوك المعاملاتي ( انتشار التحرش ، الغش ، الفساد الإداري ، بالتوازي مع امتلاء المساجد و الكنائس ) . كذلك الانكفاء علي الذات و تراجع الشغف المعرفي ، حيث أدي تراجع مستوي التعليم إلي سطوع نجم ثقافة "التريند" و السطحية ، و ضياع الحس النقدي ، و انتشار الفكر الخرافي و المؤامراتي . أيضًا سيكولوجية "المواطن المستكين" أو "المتفجر" ، حيث تأرجح الشخصية بين الصبر الطويل الذي يصل لحد الاستكانة و القبول بالأمر الواقع ، و بين الانفجارات العشوائية العنيفة ( كما يظهر في العنف الأسري و عنف الشارع ) . مما لا شك فيه أن وسط كل هذه الغيوم المتراكمة ، هناك دائما نقاط قوة كامنة ، فالجينات لا تموت ، رغم كل التشوهات ، لا تزال النواة الصلبة للشخصية المصرية حية ، و تظهر في الأزمات و المحطات الفاصلة ، يتضح ذلك في الصلابة و القدرة علي الامتصاص ( التكيف ) ، نري المواطن المصري اليوم يعيش ضغوطًا اقتصادية و اجتماعية طاحنة ، و مع ذلك يمتلك قدرة أسطورية علي "تسيير الحياة" و امتصاص الصدمات بفضل سلاحه الأزلي ، النكتة و السخرية . كما يتضح في العبقرية الابتكارية عند توفر البيئة ، فعندما يوضع المصري في منظومة عادلة و محفزة ( سواء في الداخل أو عند الهجرة للخارج ) ، فإنه يبدع بشكل مذهل ، أمثلة أحمد زويل ، مجدي يعقوب ، و الآلاف من العلماء و المهندسين الشباب في كبريات الشركات العالمية حالياً . و من نقاط القوة ، مفهوم "الغزوة" و التكافل الفطري ، فرغم غلاء المعيشة ، لا يزال التكافل الاجتماعي الفطري ( مائدة الرحمن ، الجمعيات الأهلية ، مساعدة الجار ) هو شبكة الأمان الحقيقي التي تحمي المجتمع من الانهيار الكامل . أين مصر إذن ؟ ، إن مصر ليست مجرد دولة علي الخريطة ، بل هي "حالة حضارية" . مصر اليوم تعيش مخاضًا صعبًا بين إرث ثقيل من البيروقراطية و التشويه الثقافي الذي حدث في العقود الماضية ، و بين جيل جديد ( جيل التكنولوجيا و مواقع التواصل ) يحاول إعادة تعريف نفسه بعيدًا عن قوالب الدولة الشمولية أو شعارات القومية القديمة . أما مصر ، فهي موجودة في عروق أهلها ، تنتظر قطار تعليم حقيقي ، و منظومة عدالة ناجزة ، و حرية فكرية ، لكي تنفض عنها غبار السنين ، و تعود "مصر التي في خاطري" حقيقة ملموسة لا مجرد أغنية في الذاكرة .

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق البيت الروسي بالإسكندرية.. ستة عقود تصنع جسور الثقافة بين القاهرة وموسكو

معلومات الكاتب

 
Get new posts by email: