مجلة إسكندرية

د إيمان يسري تكتب: رمضان في عيون المبدعين 2023‏ رمضان والمشاعر

 

في ظل ظروف اقتصادية شديدة القسوة على العالم أجمع وأوضاع سياسية مبهمة وغامضة، وتوقعات دائمة ‏بزيادة سوء الأحوال والأوضاع حول العالم، بالإضافة لإرشادات كثيرة بترشيد الاستهلاك وتقليل النفقات ‏في الوجبات والعزومات والحفلات، وغيره.‏

‏ يأتي شهر رمضان المعظم، شهر الرحمة والخير والبركات في كل شيء، ليكسر كل القواعد، ويجبر كسر ‏قلوبنا ويظهر ما بداخل العباد من حب الخير من خلال مشاعر طيبة وصادقة، ويفاجئنا كالعادة بزيادة ‏الخير ومطابخ الخير والإطعام وتوزيع وجبات السحور والإفطار على غير القادرين والوافدين وتجمع ‏شعب مصر من المسلمين والمسيحين على موائد إفطار كبير وضخمة بعدة أحياء شعبية وراقية، بالإضافة ‏لموائد الإفطار التي لا تفرق بين الغني والفقير أو المسلم والمسيحي التي تجوب جميع محافظات مصر.‏

وهو بالأمر الخاص جدا في بلدنا الحبيب الغالي مصر، هذه المشاهد ربما لا تراها أبدا إلا في مصر، وكما ‏هو متعارف عليه ويقول الجميع "رمضان في مصر حاجة تانية" ‏

وهي ليست شعارات نرددها ولكنها حقيقة مؤكدة وواضحة لجميع المواطنين المقيمين في مصر أو الوافدين ‏من محافظات أخرى، الجميع يؤكد أن رمضان مصر له رائحة مميزة وله صوت مميز يختلف على باقي ‏البلدان ويختلف أيضا عن باقي شهور السنة.‏

رائحة رمضان ‏

اعتاد أجدادنا على قول لكل زمن رائحة تميزه عن غيره من الأزمنة، وكذلك هو شهر رمضان الكريم، ‏شهر رمضان له دائما رائحة مميزة تفرقه وتميزه عن غيره من باقي شهور السنة.‏

ولا تتمثل رائحة الشهر الكريم فقط في رائحة الطعام المختلفة، ولكنها رائحة بالمعنى الأعمق؛ رائحة ‏الحنين للذين توفاهم الله ونفتقدهم على مائدة أول يوم إفطار أو سحور، رائحة العزومات والتجمعات التي ‏نفتقدها من رمضان إلى رمضان، رائحة الدفء في المنازل والتجمع على وجبتين أساسيتين هما الإفطار ‏والسحور –وهذه الأنواع من التجمعات غالبا لا تحدث في باقي أيام العام لإنشغال جميع أفراد الأسرة ‏والعائلة بالسعي والعمل- ‏

صوت رمضان

لكل وقت صوت، ولشهر رمضان صوت يتلألأ في ظلام الليل وهو صوت المسحراتي الذي يجوب ‏الشوارع في مختلف المناطق الشعبية والأحياء الراقية بأشكال مختلفة.‏

في عموم أوقات العام يكون صوت الليل هادئ وصامت، ولا يجفي النوم إلا العاشقين، أما في شهر ‏رمضان الكريم، فالجميع عاشقون ساهرون في ليالي رمضانية سعيدة بين تأدية العبادات أو تجمعات ‏الحفلات بالخيم الرمضانية. كما يصحو كل أفراد الأسرة من أجل تناول وجبة السحور معا على صوت ‏المسحراتي الذي ينادي كل فرد بأسمه! وهذا لن تجده أبدا إلا في مصر.‏

من أجمل المشاهد التي يمكن أن تراها في شهر رمضان، أكبر مائدة رحمان لتقديم وجبه الإفطار ‏والسحور في ساحة الأزهر الشريف، الذي هو منبر العلم والدين في الوطن العربي أجمع. بالإضافة ‏لتجمعات الإفطار التي تقيمها الكنائس المصرية ليجتمع عليها كافة أطياف الشعب المصري جنب إلى جنب ‏مسلم ومسيحي لتناول وجبة الإفطار معا.‏

ومن الغريب أيضا أن غالبية الأخوة المسيحيين في مصر يصومون من الفجر إلى المغرب أسوة بالأخوة ‏المسلمين ومراعاة لشعورهم حتى لا يتناولون وجبة طعام أمام شخص مسلم صائم وهم لا يعرفوه! وهذا ‏أيضا لن تجده أبدا إلا في مصر.‏

ومن المشاهد الرائعة حقا؛ توزيع العصير والتمر في جميع شوارع مصر على الصائمين في وسائل ‏المواصلات والسيارات الخاصة. فإذا كنت في طريقك للمنزل وتأخرت قليلا حيث حان وقت أذان المغرب ‏‏(أي وقت الإفطار) -فلا تقلق أبدا- لأنك ستجد في طريقك الكثير من شباب المسلميين والمسيحيين يتهافتون ‏‏–بل ويعترضون طريقك- لتقديم التمر والعصير والوجبات المختلفة لك مجانا وبدون مقابل! ‏

أما بصفة شخصية فإن شهر رمضان الكريم بالنسبة لي هو عبارة عن شهر الراحة النفسية والوحدة الذاتية ‏والتفكر في نعم الله التي لا نحصاها أبدا وربما لم نتمكن من تذوق لذة الشعور بها وشكر الله عليها في أيامنا ‏العادية. ‏

شهر رمضان أيامه ولياليه ليست بالعادية بالنسبة لي، لشهر رمضان شعور أخر، شعور بالصبر وبمعية الله ‏ورؤية الله لك في كل لحظة. فعلى سبيل المثال: يراودنا جميعا التعب من عبادة الصيام وعدم المقدرة على ‏تحمل الجوع والعطش وربما نكون بمفردنا ونفكر في أن نشرب ماء ليروي ظمأنا أو نأكل شيئا خفيفيا ليسد ‏رغبتنا في الجوع، ولكننا لا نفعل ذلك أبدا لأننا نشعر برؤية الله لنا في هذه اللحظة، ونستشعر قيمة الحرام ‏واتطلاع الله علينا في كل أحولنا. وهكذا يكون شعورنا عند التفكير في ارتكاب أي معصية أو خطيئة ‏تغضب الله.‏

لذلك فإن شهر رمضان ليس فقط شهر نصوم فيه ونعبد الله - فيمكن لنا أن نصوم ونعبد الله في كل وقت ‏وحين- ولكن شهر رمضان يعلمنا رقة القلوب ويزيد من شعورنا بمعية الله ويضيئ بداخلنا شعور يحث ‏أرواحنا على زيادة فعل الطاعات وينهانا عن ارتكاب المعاصي مهما كانت صغيرة أو معتادة بالنسبة لنا.‏

وفي الختام نسأل الله التوفيق والسداد في كل أمور حياتنا

وكل رمضان ومشاعركم الطيبة بخير

أخبار متعلقة :