أخبار متعلقة :
حين يتحول الألم إلى مشهد علني: قراءة نفسية في ظاهرة الانتحار العلني
بقلم د. هدى الساعاتي – وكيل نقابة الصحفيين بالإسكندرية لم تعد ظاهرة الانتحار العلني مجرد وقائع فردية عابرة، بل أصبحت مرآة صادمة تعكس حجم الضغوط النفسية والاجتماعية التي يعيشها بعض الأفراد في صمت قاتل. فحين يختار الإنسان إنهاء حياته على مرأى ومسمع من الآخرين، فإننا لا نكون أمام قرار شخصي فقط، بل أمام رسالة قاسية يكتبها الألم بلغة لا تحتمل التأويل. هذا النمط من السلوك الإنساني يكشف عن حاجة ملحّة للاعتراف والاحتواء. فصاحب هذا الفعل غالبًا ما يكون قد مرّ بمراحل طويلة من المعاناة غير المرئية، محاولًا التعبير بطرق متعددة لم تجد صدى أو استجابة. ومع تراكم الإحباط، يتحول الفعل العلني إلى “الصرخة الأخيرة”، التي تهدف إلى لفت الانتباه إلى معاناة لم تُفهم في حياتها. من الناحية النفسية، يرتبط هذا السلوك ارتباطًا وثيقًا بحالات الاكتئاب الحاد، والشعور العميق بالوحدة، وفقدان الإحساس بالمعنى. كما يلعب الشعور بالاغتراب دورًا محوريًا، حيث يشعر الفرد بأنه منفصل عن محيطه، غير قادر على الاندماج أو التأثير، فيتآكل لديه الإحساس بالقيمة الذاتية تدريجيًا. ولا يمكن إغفال دور المجتمع في تشكيل هذه الحالة؛ فالتغيرات الاقتصادية المتسارعة، والضغوط المعيشية، وتراجع العلاقات الإنسانية الداعمة، كلها عوامل تسهم في تعميق الشعور بالاختناق النفسي. كما أن التحولات الرقمية، رغم ما توفره من وسائل تواصل، قد عززت في بعض الأحيان الإحساس بالعزلة، خاصة مع المقارنات المستمرة وأنماط الحياة المثالية الزائفة التي يتم الترويج لها. وفي سياق آخر، قد يحمل الانتحار العلني بُعدًا احتجاجيًا، حيث يتحول الجسد إلى وسيلة تعبير أخيرة عن رفض واقع قاسٍ أو شعور بالظلم. لكن خطورة هذا الفعل لا تكمن فقط في نهايته المأساوية، بل في تأثيره الممتد، إذ يترك وراءه دوائر من الصدمة والحزن، وقد يسهم – دون قصد – في خلق نماذج سلوكية قابلة للتكرار، خاصة في ظل التناول الإعلامي غير المسؤول. من هنا، تبرز أهمية الدور الإعلامي الواعي في التعامل مع هذه الظاهرة، بحيث يبتعد عن الإثارة أو التهويل، ويركز على التوعية والدعم النفسي، مع احترام خصوصية الضحايا. كما تقع على عاتق المؤسسات التعليمية والدينية والثقافية مسؤولية تعزيز ثقافة الحوار، وتوفير مساحات آمنة للتعبير عن الضغوط النفسية قبل أن تصل إلى مراحل خطيرة. إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب رؤية شاملة، تبدأ من الاعتراف بأن الصحة النفسية لا تقل أهمية عن الصحة الجسدية، وتمر ببناء شبكات دعم حقيقية داخل الأسرة والمجتمع، وتنتهي بتوفير خدمات نفسية ميسّرة ومستمرة. في النهاية، يبقى السؤال الأهم: كم من صرخة صامتة تمر بجوارنا كل يوم دون أن ننتبه؟ وكم من إنسان كان يمكن إنقاذه بكلمة، أو اهتمام، أو احتواء؟ إن الإجابة عن هذا السؤال هي الخطوة الأولى نحو مجتمع أكثر إنسانية… وأكثر إنصاتًا للألم قبل أن يتحول إلى مشهد علني.