أخبار متعلقة :
من الإسكندرية إلى لندن والعالم… عندما يصبح العلم رسالة وهوية
هناك مدن تمنح أبناءها شهادة ميلاد، وهناك مدن تمنحهم هوية تستمر معهم أينما ارتحلوا. والإسكندرية من تلك المدن التي لا تغادر أبناءها، حتى وإن حملتهم الأقدار إلى أبعد بقاع الأرض. عندما غادر مدينته إلى لندن قبل سنوات عديدة، لم يكن هدفه البحث عن وظيفة أفضل أو حياة أكثر رفاهية، بل كان يبحث عن مساحة يستطيع فيها أن يشارك في صناعة المعرفة، لا أن يكتفي باستهلاكها. كان السؤال الذي يشغله دائمًا: كيف يمكن لطبيب مصري أن يضيف شيئًا جديدًا إلى الطب العالمي؟ هذا هو السؤال هو الذي صنع الدكتور حاتم سليمان استشاري طب الحالات الحرجة للقلب والصدر بمستشفي هيرفيلد بلندن والأستاذ بكلية كينجز كولدج لندن وسكرتير عام وعضو المجلس التنفيذي بالجمعية الأوروبية لفحوص القلب وعضو مجلس أمناء مؤسسة مجدي يعقوب للأبحاث بلندن. وهذا كان احد محاور الندوة التي استضفتها مكتبة الإسكندرية مؤخراً في معرضها الدولي للكتاب بعنوان 'من الإسكندرية الي لندن عاصمة الضباب. رحلة طبيب مصري الي العالمية والتي أدارها باقتدار الكاتب الصحفي الاستاذ احمد سليم. كثيرًا ما ننظر إلى الغرب باعتباره مصدر العلم الوحيد، بينما الحقيقة ليست كذلك أبدا . فالحضارة الإنسانية سلسلة متصلة، وما وصل إليه الطب الحديث لم يولد من فراغ، بل قام على تراكمات شارك فيها المصريين القدماء بإسهامات خالدة منها عمليات جراحية موصوفة بدقة في برديات منذ الاف السنين ثم إبداعات علماء الحضارة والعربية الإسلامية في عصرها الذهبي والتي ضمت إبداعات علماء مسلمين ومسيحيين ويهود الذين ترجموا، وابتكروا، وأضافوا، ثم اقتبست أوروبا من شعلة المعرفة الشرقية العربية والإسلامية، وطورتها بدورها واضافت اليها وأكملت المسيرة. هذه النهضة العلمية الهائلة في العصر الذهبي للحضارة العربية كانت الأساس الذي نهلت منه أوروبا لتقوم عليها نهضتها الحديثة وحينها كانت اللغة العربية هي لغة العلوم والفنون والحضارة وكان الغرب يعيش عصوره المظلمة بعدا تماما عن حضارة الشرق، وقد تعلم كثير من رواد الغرب من علماء عرب ومسلمين ومنهم اديلارد الباثي وهو فيلسوف إنجليزي ولد في مدينة باث في أواخر القرن الحادي عشر ثم سافر الي صقلية وكانت وقتها احد مراكز الإبداع العلمي العربي ونهل من علمها وله قول مشهور وهو 'العرب هم اساتذتنا'. إن الحضارات العظيمة لا تتنافس على احتكار العلم، بل تتكامل في بنائه. ومكتبة الإسكندرية نفسها كانت مركز العلم والمعرفة في العالم القديم ولاكثر من الف عام. ولهذا، حرص الدكتور حاتم سليمان في مؤلفاته العلمية وآخرها كتابين منشورين من اهم دور النشر العلمية عالمي على أن يفتتح فصولها بكلمات ومقولات لعلماء ومفكرين مصريين و عرب ومسلمين، ليس بدافع الحنين إلى الماضي، وإنما لتذكير الأجيال الجديدة بأن الثقة بالنفس تبدأ بمعرفة الجذور وما حققه الأجداد من إنجازات وحضارة أذهلت العالم. لقد أدرك دكتور حاتم سليمان خلال سنوات العمل في أوروبا أن الطبيب المصري لا يقل كفاءة عن أي طبيب في العالم. بل إن ما يميزه غالبًا هو المهارة الفردية و القدرة على التكيف، والإصرار والابتكار في أصعب الظروف. ما ينقص كثيرين من الشباب المصري ليس الذكاء ولا القدرة أبدا، وإنما الثقة بالنفس والإيمان بأنهم قادرون على المنافسة عالميًا. ولذلك فإن أكبر معركة يخوضها الإنسان ليست مع الآخرين، بل مع الصورة التي يرسمها لنفسه. إن النجاح لا يصنعه الحظ، ولا تخلقه الصدف. النجاح هو حصيلة آلاف التفاصيل الصغيرة التي لا يراها أحد؛ ساعات طويلة من الدراسة، وإخفاقات متكررة، ومحاولات لا يعرفها إلا صاحبها. وبين كل نجاح وآخر توجد لحظات شك، ولحظات يظن فيها الإنسان أن الطريق انتهى، بينما يكون في الحقيقة قد اقترب من بدايته الحقيقية. وفي عصر الذكاء الاصطناعي، تتغير أدوات العلم بسرعة غير مسبوقة. لا شك أن هذه التقنيات ستختصر الوقت، وسترفع من كفاءة البحث العلمي، لكنها لن تستطيع أن تحل محل العقل النقدي، ولا الخبرة الإنسانية، ولا الضمير العلمي. فالذكاء الاصطناعي قد يساعدنا في الوصول إلى المعلومة، لكنه لا يستطيع أن يمنحنا الحكمة في استخدامها. ولذلك فإن التحدي الحقيقي ليس في استخدام التكنولوجيا، بل في وضع الضوابط التي تضمن أن تبقى في خدمة الإنسان، لا أن تحل محله. ويؤمن دكتور حاتم أن مسؤولية من أتيحت لهم فرصة النجاح خارج أوطانهم لا تقتصر على تحقيق إنجاز شخصي، بل تمتد إلى مد يد العون للأجيال القادمة، وفتح الأبواب أمام الشباب، ونقل الخبرات، وبناء جسور حقيقية بين مصر والمؤسسات العلمية العالمية. وفي النهاية، تبقى الرحلة من الإسكندرية إلى لندن مجرد عنوان جغرافي. أما الرحلة الحقيقية، فهي تلك التي تبدأ داخل الإنسان؛ حين يؤمن أن الحلم مشروع، وأن الاجتهاد طريق، وأن الانتماء ليس مكانًا نسكنه، بل قيمة نحملها معنا في كل خطوة. وحينها فقط، يصبح الوصول إلى العالم… بدايةً للعودة إلى الوطن بصورة أكبر وأثر أعمق