مجلة إسكندرية

عاصم صبحي يكتب....خدعوك فقالوا !

خدعوك عندما جعلوك تعتقد أن الحرية الغربية هي مجرد سلوكيات و مظاهر منفلتة ، و أن التقدم هو الاستهلاك المفرط و المظهر الخارجي فقط . لم تكن الخديعة الكبري التي تعرضت لها مجتمعاتنا مجرد استيراد لقيم غربية ، بل كانت في عملية انتقاء و تزييف مشوهة ، حيث جري تجريد الحضارة الغربية من عصبها الحقيقي و تصدير قشورها إلي الشرق ، ليُخيل للناس أن التقدم يكمن في الشكليات و التحلل ، لا في الجوهر و الانضباط . لقد قُدم الغرب إعلامياً و ثقافياً في صورة مجتمع منفلت من كل قيد ، يُقدس المتعة الفردية العابرة ، و تُعرٓف فيه الحرية علي أنها تنافس في المظهر ، و تمرد على القيم ، و استهلاك لا ينتهي . صُور هذا النمط الهش و كأنه قمة التطور الفكري ، بينما هُمش عمدًا الوجه الآخر للغرب .. المجتمع الذي قام علي صرامة المسؤولية الفردية ، و الالتزام الصارم بالواجبات ، و احترام سيادة القانون ، و دقة المواعيد ، و تقديس إتقان العمل . إن الفردانبة الغربية في جوهرها تعني اعتماد الإنسان الكامل علي نفسه ، و تأدية واجبه تجاه مجتمعه دون إتكالية . غير أن ما عُرض علي الشارع العربي كان النسخة المشوهة منها .. فردانية تُرجمت إلي أنانية ، و تمرد على الروابط الأسرية و الإجتماعية ، و التخفف من الالتزامات الأخلاقية ، تحت شعار حرية الفرد . الحرية التي بني بها الغرب حضارته هي حرية المساءلة ، و التفكير العلمي ، و الابتكار ، و تحمل تبعات القرار . لكن النموذج المصدر الشرق اختزل الحرية في التحلل من الضوابط ، و الاستهلاك المادي السطحي ، و تجاوز الموروث الثقافي ، ليتحول الإنسان من صانع و منتج إلي مجرد مستهلك لأسلوب حياة لا يملك أسبابه . حُجب العمود الفقري للنهضة الغربية ـ المتمثل في الجدية ، و الانضباط الذاتي ، و الشفافية ـ و خُلقت حالة من الانفصام ، حيث استوردت المجتمعات العربية مظاهر الرفاهية و التحرر الغربي ، و دون أن نستورد معها أخلاقيات العمل و المسؤولية التي أوجدت تلك الرفاهية أساساً . إن النتيجة الحتمية لهذه الخديعة كانت مزدوجة و مريرة .. خسرنا أسباب القوة و النهضة العلمية و الإدارية التي قام عليها الغرب ، و في الوقت ذاته فرطنا في أصولنا و قيمنا الشرقية القائمة على التراحم و الترابط و التكافل . أصبحنا نعيش في مساحة هشة بالمنتصف ، نقتات علي القشور الاستهلاكية ، و نظن واهمين أننا نمسك بزمام الحداثة و التطور . " اصحي من النوم يا خواجة .. بقينا العصر " .

أخبار متعلقة :