تقف مكتبة الإسكندرية الحديثة، التي أعيد إحياؤها في عام 2002 بمبادرة مصرية-دولية وبدعم من اليونسكو، كرمز حضاري ومعرفي على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، لتستعيد روح الانفتاح والبحث التي ميزت مكتبة الإسكندرية القديمة العظيمة.

فما هي إلا بضع سنوات على انطلاق هذا الصرح المعماري الفريد الذي يتخذ شكل قرص الشمس المائل، ليثبت نفسه كأكثر من مجرد مستودع للكتب. لقد تحولت المكتبة إلى مجمع ثقافي متكامل ومركز إشعاع فكري عالمي، يهدف إلى أن يكون "نافذة مصر على العالم ونافذة للعالم على مصر".

تضم المكتبة الرئيسية القادرة على استيعاب ملايين المجلدات، إلى جانب ست مكتبات متخصصة ومجموعة من المتاحف الهامة، أبرزها متحف الآثار، ومتحف المخطوطات، ومتحف تاريخ العلوم. كما تشمل مراكز بحثية متخصصة، قبة سماوية، وقاعة استكشاف للعلوم موجهة للأطفال.

تجسد مكتبة الإسكندرية الجديدة جسرًا يربط الماضي العريق بالحاضر والمستقبل، مساهمة في نشر المعرفة، وتعزيز الحوار والتفاهم بين الثقافات، ومواكبة العصر الرقمي من خلال تبنيها لأحدث التقنيات. وتظل هذه المؤسسة العملاقة منارة للعلم والتعلم، ومقصدًا للباحثين والمثقفين من جميع أنحاء العالم، مؤكدة على دور مصر الريادي في الحراك الثقافي والحضاري.

نحتفل بالذكرى ٢٣ لافتتاح مكتبة الإسكندرية ذلك الصرح الثقافي العالمي الذي أثرى ولا يزال يثري العالم أجمع.
ذلك الحلم الذي أصبح حقيقة عندما أطلقت جامعة الإسكندرية عام 1972، خلال محاضرة للدكتور/مصطفى العبادي أستاذ التاريخ القديم والذي طالب فيها بإعادة إحياء مكتبة الإسكندرية وأصدرت منظمة اليونيسكو أول نداء دولي عام 1987 لدعم مشروع إحياء مكتبة الإسكندرية.

وتم عمل مسابقة دولية لتصميم المكتبة ومنحت الجائزة الأولي لشركة Snohetta للتصميمات المعمارية ومقرها أسلو بالنرويج.
لقد استغرق العمل بالمكتبة فترة طويلة، حيث بدأت بعد إعلان نتائج المسابقة في 25 سبتمبر 1989، ولكن حدث بعض التأخير في توقيع العقد، مما أتاح وقتًا لإجراء الاستعدادات الضرورية قبل أن يبدأ البناء ومنها الأبحاث الأثرية عام 1992.

ومن الاستعدادات الضرورية الأخرى التي أجريت هي الدراسات والتقارير الفنية الخاصة بتربة الموقع، والتقارير الفنية الخاص بالمياه الجوفية، وخصائص الأرض الهندسية والتي تضمنت عمل مسح أرضي، واختبارات للتربة وتحليلها، وغيرها من المعلومات اللازمة لإعداد أساس التصميم؛ كان من الضروري أن يأخذ تصميم المبنى وتشييده في الاعتبار حقيقة الزلازل المحتملة في هذه المنطقة، وذلك لأن الإسكندرية عبر التاريخ، عانت من زلازل عديدة وشديدة، حيث تعرضت يوم 16 أكتوبر 1992 لزلزال كبير تسبب في إتلاف وتدمير عدد من المباني.

تم إعادة بناء مكتبة الإسكندرية على مقربة من الموقع الأصلي، وهذه الحقيقة أعطت للمشروع بعدًا تاريخيًا خاصة بأن الموقع ظل شاغراً لسنوات وكأنه محفوظ لهذا المشروع التاريخي.
تم وضع حجر الأساس في 26 يونيو 1988، وفي مايو عام 1995 بدأ تشييد أكبر جدار دائري مقوى في العالم، حيث يمتد المبنى حوالي 18 متر تحت مستوى البحر ويعتبر نجاحًا هندسيا ومعماريا هائلا. وتم افتتاح المكتبة في 16 أكتوبر 2002.
بلغت تكلفت البناء 250 مليون دولار، تحملت الحكومة المصرية نصفها والدول المؤسسات المانحة النصف الآخر، حيث ساهمت فيها العديد من دول العالم والمنظمات الدولية.
تم تصميم المكتبة مثل قرص الشمس البازغ معبرًا عن كونها المنارة الجديدة للعلوم والمعرفة، وأقيمت كأول مكتبة رقمية تتبع النظم التكنولوجية الحديثة في نشر المعرفة والثقافة، حيث تعمل مكتبة الإسكندرية جاهدة بكل طاقاتها وقدراتها لتحقيق الريادة العالمية في شتى المجالات.
