وسط منطقة مينا البصل، إحدى أعرق المناطق التجارية في غرب مدينة الإسكندرية، يقف مبنى محلج القطن القديم شامخا بجدرانه المبنية من الطوب الأحمر وأبراجه المميزة التي تمنحه هيئة القلاع التاريخية، ليظل شاهدا على عصر ازدهار القطن المصري الذي عرف عالميا باسم "الذهب الأبيض". و قال د. محمد شعبان عضو لجنة التراث و التوثيق الحضاري بمحافظة الإسكندرية، إنه يرتبط تاريخ المبنى بفترة شهدت فيها المدينة طفرة إقتصادية كبرى خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، عندما أصبحت المدينة مركزا عالميا لتجارة القطن، بعد تزايد الطلب الأوروبي على الأقطان المصرية المعروفة بجودتها الفائقة وطول تيلتها، حيث تحولت مينا البصل إلى قلب صناعة القطن، حيث إنتشرت المحالج والمخازن والشركات التجارية المرتبطة بهذه السلعة الإستراتيجية. و أوضح ، أنه كانت المحالج تمثل مرحلة أساسية في رحلة القطن من الحقل إلى الأسواق العالمية، إذ كانت تستقبل المحصول الخام لفصل الشعيرات القطنية عن البذور باستخدام أحدث التقنيات المتاحة آنذاك. وبعد الانتهاء من عمليات الحليج و الكبس، كانت البالات تنقل إلى ميناء الإسكندرية لتبدأ رحلتها إلى مصانع الغزل والنسيج في أوروبا. و تابع : يعد المبنى واحدا من أبرز النماذج الباقية للعمارة الصناعية في المدينة، حيث تكشف أبراجه المرتفعة و الأسوار المسننة عن طراز معماري نادر جمع بين الوظيفة العملية والجمال الهندسي. كما ساعدت فتحات التهوية والإرتفاعات الكبيرة في الحفاظ على الأقطان المخزنة وحمايتها من الرطوبة والعوامل الجوية. و أشار شعبان أنه خلال عقود طويلة، لعب المحلج دورا مهما في دعم الإقتصاد المصري، إذ وفر فرص عمل لمئات العمال والفنيين، وأسهم في تعزيز مكانة المدينة كمركز عالمي لتجارة القطن، وكانت المنطقة المحيطة به تعج بالتجار والسماسرة وأصحاب الشركات الذين توافدوا من مختلف دول العالم للتعامل في القطن المصري. ورغم تراجع نشاط المحالج مع تطور الصناعة وتغير خريطة التجارة العالمية، ما زال المبنى قائما محتفظا بقيمته التاريخية والمعمارية، بإعتباره أحد الشواهد النادرة على عصر كانت فيه الإسكندرية عاصمة القطن في الشرق الأوسط وأحد أهم الموانئ التجارية في العالم. وتبقى حكاية هذا المحلج جزءًا من ذاكرة مدينة الإسكندرية، وواحدة من القصص التي تروي كيف ساهم "الذهب الأبيض" في صناعة مجد إقتصادي امتد أثره إلى مختلف أنحاء العالم، تاركا خلفه مباني ومنشآت لا تزال تروي للأجيال الجديدة فصولًا من تاريخ المدينة التجاري والصناعي العريق.
