يهل علينا خلال بضعة أيام هلال شهر شهر الأيام المعدودات ، شهر الخير و البركة ، شهر النفحات و الرحمات ، شهر الزهد و الإعتكاف في أيامه العشر الأخيرة ، الشهر صاحب الليلة التي هي خير من ألف شهر ( ليلة القدر ) ، شهر صلاة التراويح و قراءة القرءان الكريم الذي أنزل في ليلة القدر ، الشهر الذي فرض علينا نحن المسلمون صيام نهاره ، إنه شهر رمضان الذي استمد كرمه من كرم الله عز و جل ، فأصبح الشهر الكريم ، كما أنه الشهر الفضيل من فضل الله جل و علا ، فتبارك العظيم صاحب الفضل و الكرم .
أعرف أن شهرنا الكريم غني عن التعريف ، فالجميع يعرفه سواء كان كبير السن أو صغير ، مسلماً أو غير مسلم ، فبركات الشهر و كرمه تحل علي الأرض و تشمل كل كائن حي فتغمره و تفيض ، و تهذبه و تقومه ، فيوجل القلب و يخشع و يمتثل فيستقيم و هذا لب الموضوع ، و لا أعني الاستقامة بل القلب .
قد تظن أنني أخوض في موضوعي هذا من منظور ديني عقائدي ، لا علي الاطلاق ، بل أتناوله من منظور اجتماعي ، بلا شك سلوكيات الفرد و المجتمع يطرأ عليها تغيرات بنسب متفاوتة كلٌ علي حسب بيئته المحيطة التي هي مؤثرة بلا شك علي نمط تفكيره و مكتسباته الثقافية و الاجتماعية و الدينية ، تلك التغيرات التي نلمسها جميعاً خلال شهر رمضان قد تكون ذات تأثير قوي علي سلوك الفرد أو العكس فيكون تأثيرها ضعيف ، و قد يكون التأثير مؤقت سرعان ما ينقضي بإنقضاء الشهر ، أو يكون ممتد و مستساغ فتصبح الفائدة أو النتيجة مزدوجة فيكون كل من الفرد و المجتمع فائزان بالأثر الطيب التي أحدثته التغيرات الحميدة التي طرأت علينا في شهر رمضان .
دعني إذًا أفسر كلامي هذا و أبسطه مبتدئاً بسؤال بسيط أتوجه به لنفسي ، و عليك أن تطرحه علي نفسك ، لماذا نحب شهر رمضان ؟! ..
كانت الإجابة النموذجية و التي تبادرت إلي ذهني أنني أحب شهر رمضان للياليه الجميلة ، إذ تتجمع الأسر و العائلات في وقت واحد علي موائد الإفطار التي تتراص عليها أطباق ما لذ و طاب من المأكولات الشهية و المشروبات مختلفة المذاق ، ثم تناول الكنافة الشهية المحشوة بإبتكارات سيدة المنزل ، كذلك القطايف المقرمشة المغموسة في العسل مما يسيل له اللعاب ، و الاستمتاع بمشاهدة بعض المسلسلات المذاعة علي القنوات الفضائية ، و لم أنسي زينة رمضان بالشوارع خاصة الفانوس الرمضاني الشهير الذي يميز مصر عن مختلف دول العالم ، و تلألؤ الأنوار المبهجة مزينة المساجد ، و أصوات فرقعة بمب و صواريخ رمضان و لهفة الأطفال و اقبالهم علي شرائها من ثم اشعالها .
وجدتني بعد أن أجبت هذه الإجابة النموذجية غير راض ، إذ لم تكتمل سعادتي بعد ، فهناك شئ ما مفقود لكي تكتمل السعادة ، بقليل من التأمل وجدت أن إجابتي جاءت مبنية علي احساس بسعادة مادية تشبع الشهوات ، فهي إذًا جزء من الكرم و ليس الكرم كله ، فالكريم يغمرك بكرمه ماديًا و معنويًا ، إذًا فالشطر المعنوي يخص النفس ، فأين هي السعادة النفسية التي من أجلها أحب رمضان ؟! ..
سكينة النفس و ورعها ، خشوعها و انصياعها ، تهذيبها و استقامتها ، عفتها ، كلها أمور نفسية معنوية يتجلي فيها كرم الخالق علي شهره الفضيل فاكتسب الشهر كرم لا حدود له ، يغمرنا مع أولي لياليه ، و قد يشعر البعض أن هذا الكرم يسلب منه شيئًا فشيئًا حتي ينزع منه مع غروب آخر ليالي الشهر ، و قد لا يشعر البعض بهذا الشعور ، فلماذا ؟! ، هل انتهي الشهر عند البعض و لم ينتهي عند البعض الآخر ؟! .
بالطبع لا ، فأما أولئك الذين سُلبوا الكرم مع غروب آخر ليالي رمضان إنما استوفوا نصيبهم بالاستمتاع بالكرم المادي و هو ما قد زال بزوال السبب ، و أما أولئك الذين استشعروا كرم الشهر حتي بعد انقضائه فإنما كانت سعادتهم و حبهم للشهر مرتبط بالشق المعنوي النفسي ، هذَبوا أنفسهم و أقاموها علي الفطرة ، عبدوا الله حق عبادته ، تحلو بمكارم الأخلاق و أنفسها ، فاستحقوا لقب عباد الرحمن .
و عباد الرحمن إنما يقيمون دينهم و يحتفظون بمكارم أخلاقهم طوال العام و علي مدار الساعة شعارهم السلام ، السلام مع الناس أولاً فيتأتى السلام النفسي من السلام سبحانه و تعالي ، و السلام كلمة و تعامل و رضا و يقين ، فإذا ما استشعرت كرم رمضان بعد انقضائه فهنيئًا لك فقد أدركته بحذافيره ، و أما إذا ما استشعرت العكس فلا تلومن إلا نفسك ، فاحرص علي اغتنام الفرصة ، أينعم يأتي رمضان كل عام لكن هل نضمن نحن ادراكه كل عام ؟! ، فلنغتنم و لا نستكفي من الكرم المعنوي الممتد و الطيب الأثر ، فما أحوجنا إلي تقويم أنفسنا و افشاء السلام و التحلي بمكارم الأخلاق و نقاء السرائر و الضمائر عسي الله يصلح أمورنا و يُحدث بعد ذلك أمرًا .
كل عام و أنتم بخير و لكم مني أرقي التهاني و أسمي الأمنيات و السلام لا يختم بل السلام متواصل .
