عاصم صبحي يكتب....كلام في الخداع

عاصم صبحي يكتب....كلام في الخداع
عاصم صبحي يكتب....كلام في الخداع
هل خَدَعت أو خُدِعت من قبل ؟ ، لماذا ؟ ، و كيف ؟ .. من منا لم يَخدع و لم يُخدع من قبل ؟!! .. الخداع تلك الكلمة التي تحمل في طياتها معانٍ متشابكة بين النجاة و الهلاك ، بين البراءة و الإثم ، بين الحق و الباطل . هو فن التمويه الذي أتقنه الإنسان منذ أن وجد علي هذه الأرض ، فكان سلاحه في البقاء ، و أداته في الصراع ، و وسيلته في الحب أحيانًا . إن للخداع دهاليز و صور متعددة ، خداع الناس لبعضهم ، و خداع السياسة ، و خداع النفس لنفسها ، و خداع الدنيا بمظاهرها البراقة . في علاقاتنا الإنسانية اليومية ، يرتدي الكثيرون أقنعة لا تشبه وجوههم الحقيقية . خداع قد يكون أبيض كما يسمونه ، يُمارس في إطار المجاملات الاجتماعية ، حين نخفي مشاعرنا الحقيقية حفاظًا علي مشاعر الآخرين . يقول المثل العربي :"رب كلمة قالت لصاحبها دعني" . فكم من كلمة لم نقلها كانت خيرًا ممن قلناها ؟ . و هناك الخداع الأسود ، ذلك الذي يحمل في جعبته نوايا سيئة ، حين يظهر لك صديقك الوفاء و يخفي الغدر ، أو يمنحك قريبك الحنان و يضمر الحسد ، في هذا المقام يقول الشاعر بشار بن بُرد :"إذا أنت لم تشرب مرارًا علي القذي .. ظمئت و أي الناس تصفو مشاربه" . و يقول الإمام الشافعي رحمه الله :"نعيب زماننا و العيب فينا .. و ما لزماننا عيب سوانا و نهجو ذا الزمان بغير ذنب .. و لو نطق الزمان لنا لهجانا و ليس الذئب يأكل لحم ذئب .. و يأكل بعضنا بعضًا عيانا " . أما في عالم السياسة ، لعبة الأمم ، فالخداع ليس مجرد سلوك فردي ، بل أصبح علمًا يُدرس و فنًا يُمارس بين الأمم . السياسة كما وصفها البعض "فن الممكن" ، و غالبًا ما يكون هذا الممكن قائمًا علي خداع ذكي و مبررات مقنعة . ماكيافيلي ، المفكر السياسي الإيطالي ، قدم في كتابه "الأمير" فلسفة كاملة تقوم علي مبدأ "الغاية تبرر الوسيلة" ، يري أن علي الحاكم أن يتعلم كيف يخدع ، و أن يكون ثعلبًا ليتجنب الفخاخ ، و أسدًا ليخيف الذئاب ، يقول :"يجب أن يكون الأمير ثعلبًا ليعرف الفخاخ ، و أسدًا ليرعب الذئاب" . و علي التاريخ ، نجد أمثلة كثيرة علي الخداع السياسي ، صلاح الدين الأيوبي في حروبه مع الصليبيين استخدم تكتيكات خادعة ، و في نفس الوقت كان صادقًا في وعوده . و في العصر الحديث ، نري كيف تتبني الدول خطابات إعلامية مضللة ، و حروبًا نفسية ، و دبلوماسية خفية ، كلها تندرج تحت اسم "المصلحة الوطنية" . يقول مثل صيني :"أعظم انتصار هو الذي لا يحتاج إلي معركة" ، و هذا يعني أن خداع العدو و جعله يعتقد أنك أقوي مما أنت عليه ، يمكن أن يكون أعظم من الانتصار في حرب طاحنة . لكن أخطر أنواع الخداع علي الاطلاق هو ذلك الذي نمارسه علي أنفسنا ، العدو الذي يسكننا . النفس البشرية خادعة بطبيعتها ، تميل إلي تبرير أخطائها ، و تجميل عيوبها ، و إلقاء اللوم علي الآخرين . كم من انسان يعتقد أنه سعيد و هو في قمة التعاسة ، لأنه يخاف مواجهة حقيقة وضعه . و كم من انسان يري نفسه مثالًا للفضيلة و هو غارق في الرذيلة ، لكنه أتقن فن تبرير الذات . يقول الله في محكم التنزيل :"بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15) " سورة القيامة ، فالآية الكريمة تؤكد أن الانسان شاهد علي نفسه ، حتي لو قدم الأعذار و التبريرات ، فهو يعرف حقيقة ما في داخله . و في الحديث الشريف عن النبي محمد عليه الصلاة و السلام :"لا يؤمن أحدكم حتي يكون هواه تبعًا لما جئت به" ، فهذه دعوة إلي تصفية النفس من أهوائها المضللة التي تخدع صاحبها . و يقول ابن القيم رحمه الله :"إن أخاديع النفس كثيرة ، لا يحصيها إلا الله ، و من أعظمها تسويف التوبة ، و الاغترار بالأمل ، و التساهل بالمعاصي بحجة أنها صغيرة ، و الرياء في العمل" . أما عن الدنيا بمظاهرها الزائلة ، ذلك السراب الذي لا يروي ، فإنها خادعة بإمتياز ، تبدو للإنسان كأنها دار مقام ، و هو فيها عابر سبيل ، تبتسم له فيغتر بإبتسامتها ، ثم تنقلب عليه في أسرع وقت . يقول الله تعالي :"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۖ وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ" سورة فاطر آية 15 ، و الغرور هنا هو الشيطان أو النفس الأمارة بالسوء . و يصف القرءان الكريم الحياة الدنيا بأنها متاع الغرور ، يقول الله تعالي :"وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ" سورة الحديد آية 20 , فهي كزينة بدت للناس فأعجبتها ، ثم ما لبثت إن ذبلت و ماتت . و في التراث الصوفي ، يروي أن رجلًا سأل أحد العارفين ؛"ما بالنا نري الدنيا مقبلة علينا ؟" فأجاب :"لأنك تنظر إليها بعين الرغبة ، فتراها مقبلة ، و لو نظرت إليها بعين الزهد ، لرأيتها مدبرة" . إذن فإن الخداع ظاهرة متعددة الوجوه ، تتلبس بصور شتي ، منه ما هو مذموم و منه ما هو مقبول في بعض الأحوال . لكن الحقيقة الثابتة أن الصدق و الأمانة هنا أساس العمران البشري ، و أن المجتمعات التي تنتشر فيها ثقافة الخداع لا محالة آيلة للسقوط . و يبقي سؤال .. كيف نحمي أنفسنا من الخداع ، سواء كان من الآخرين أو من أنفسنا أو من الدنيا ؟ ، الجواب يكمن في الوعي ، و في النظر إلي الأمور بعين البصيرة لا بعين البصر فقط . في التوقف قبل الانخداع بالمظاهر ، و سؤال النفس : ما الحقيقة وراء هذا القناع ؟ . لقد صدق القائل :"ليس الخداع إلا جهلاً بالحقيقة ، و لا يخدع انسان إلا من كان غافلًا ، و من استيقظ قلبه ، لم يخدعه سراب" .

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق المدارس الإدارية
التالى دكتور أبو علي ....عالم كرس عمره لخدمة العربية والجودة الأكاديمية

معلومات الكاتب

 
Get new posts by email: