حين تنكسر النفس من دوي سقوط غير متوقع ، و تلملم أجنحتها المتهالكة التي طالما تطاير ريشها في مهب الريح، وهي تتنفس الصعداء لعلها تنجو من لهيب الحياة المتصاعد ، وتألف الآلام المتزاحمة حولها تارة من قريب وأخرى من بعيد ، تبحث عن لحظة تركن إليها لتتعرف على ما يحيط بها ، وتجد له تفسيرا ، فلا تجد إلا طعنات في الخفاء و سكوت مفاجئ لقلب كان يدق فرحا بالحياة ، و إحتراق لكل المعاني التي طالما أوقفته في محرابها في سكينة وهدوء .
تتساقط الدموع في حجر النفس محبوسة داخل سياج من الصمت ، فلا تملك كلمة تتحمل عنها بعض الهموم فهي في حال من التيه لا تجد له مرسى ، و تتقاذف أسئلة حائرة تبحث عن إجابات شافية وهي لا تكاد تعي من أين جاءت الطعنة ، و كيف تحركت نحوها وهل يعقل وقوعها على الأرض بشكل محسوس ، وهل رأها الجميع أم هو سراب لم يره أحد غيرها ، أم هو كابوس جاء ليصطدم بها وبأقصى سرعة ليترك ندبة لا يمحيها الزمن أو يداويها الإعتذار .
يا له من إنكسار و مشاعر موحشة تتغلب على ترهات الأفكار و هواجس العقل ، التي لا تأتي إلا في جنح الظلام الدامس ،حيث تسكن القلب أشدّ ألام الحسرة على أيام مرت لم تؤتي ثمارها ، و لم يأتي صباحها بالخير رغم كل ما بذل فيها من خير و أسدلت عليها ستائر الرحمة والود و البهجة الصادر من القلب مباشرة دون مواربة أو تجويد ، بل التلقائية والعفوية كانت هى اللحن السائد و الخيمة الخضراء التي كانت تظلل كل شئ فيتحول إلى نغمة في سيمفونية رائعة من السعادة .
يأتي هذا الأثر الغائر في النفس الذي لا يرفعه اعتذار ، أو تضعه جانبا مبررات واهية فالحمل الثقيل لا يعتد بأي أداة لتحيله أثرا مناقضا ، و يصعب بمرارة استئصاله وكيف لا وهو غائر في نسيج النفس مخترق للتكوين الداخلي غير المرئي بيد خبيثة إمتدت إليه معلنة الجحود ، لا تحفظ سرا أو تكمن رقة مشاعر و هي تتمرس على حدة السكين في الخفاء ، لكي تأتي اللحظة الحاسمة لتغرس بها في طيات المتصل الجميل وتقطع بها كل أوصال المحبة ليبقى مع الزمن شرخ صامت .
