جلسنا سويا نحتسي شرابا اخر .. كان الخمر قد بدأ يلعب برأسينا ككرات الإسكواش .. انه يروقني ذلك الفتي .. لا يفكر في شيئا مطلقا .. فلا يحمل اي مسئوليات سوي البحث عن مكان ليحتسي به شرابه لليلة اخري .. بينما انا مثقل بمسئوليات لا تنتهي ..
رغم اننا متقاربين بالعمر الا انني أبدو اكبر بعشرين عاما .. سألته من باب تزجية الوقت عن ما يشغل رأسه هذه الفترة .. عن احلامه التي يسعي لتحقيقها .. أجابني بأنه يريد زيارة عدة دول فالعالم به الكثير ليراه .. لم يحدثني عن الزواج ، لم يتكلم عن بحثه عن شقة بضواحي سيدني بالتقسيط ، لم يشكو غلاء الأسعار .. لم يقلقه مستقبل أطفال لم يأتي بهم الي العالم بعد ، لم يتحدث عن مستقبله الوظيفي المجهول ..
شردت بذهني و انا أفكر بما قد فعل بِنَا .. لقد اغتصبوا احلامنا .. هذا ما حدث .. ليصبح أقصي احلامنا هي ان نغتصب برفق .. الغالبية تغتصب هنا و لكن بدرجات متفاوته من القسوة .. ان من يملك حلما اصبح مختلا منفصلا عن الواقع .. نشيخ قبل ان نولد .. نحمل هم العلف و الحظيرة و البحث عن ساقية يمكننا جرها حتي لا نذبح .. يمحون ذكري الحياة الطبيعة لنظن ان الاغتصاب شيئا طبيعيا يمر به الجميع .. اي جميع و نحن لم نري سوانا .. لم يسرقوا الحلم فقط لقد سرقوا حياتنا ايضا .. نحيا دون ان نعيش و نموت دون ان نحيا .. نتوهم ان الاغتصاب كان هو الحياة التي علي الجميع ان يحياها ..
ملئ كأسي الفارغ مجددا ليسألني صديقي الأسترالي الشاب السؤال الذي خشيت ان يسأله .. "أين ذهبت يا صديقي .. ما كل هذا الصمت .. اخبرني عن أحلامك للفترة المقبلة؟" .. تجرعت كأسي و نظرت له قبل ان اجيب .... " أظن انني سأغتصب لفترة تالية " ..
الافكار هي اللبنة الاساسية لعقلك، و شخصيتك، و هي ما يبني عليها العقل معتقداته و مبادئه
معنى ان يصل شخص -بفكره – لأفكارك المختبئة داخل هذا الحرملك، والتي يحميها العقل بكل قوة ؛ لانها ملكه وحده و يعبث بها، و يشوها -سواء قهرا و قمعا او خلف احد اقنعة الخداع- و يحولها لافكار تخدم مصالحه هو فقط، و لا يستطيع حارس هذا الحرملك ان يدافع عن اصل افكاره، او يحميها؛ بل يستسلم طواعية لهذا المغتصب تحت تأثير افكار وهمية، ووعود كاذبة؛ فيتحول لذو عقل مشوه، و مباديء محرفه، و ربما منحرفة.
" أحلامنا طاهرة كالقدس ولكنها مغتصبه من واقع مرير "
