ليست المشكلة أن نخسر مباراة، بل أن نخسر أبطالًا، وليست الكارثة في عجزنا عن الفوز، بل في قدرتنا المدهشة على طرد كل من لديه فرصةً لاعتلاء منصات التتويج.. هكذا تبدو الرياضة المصرية اليوم: ساحةٌ تحكمها العلاقات لا الموهبة، وتُدار بالمصالح لا بالكفاءة، وتُسدل فيها الستائر على الحقائق كلما انكشف وجهها القبيح. اللاعب الموهوب في مصر يدخل الملعب مثقلًا لا بالحلم، بل بالإحباط، قبل أن يبدأ سباقه، يكون قد خسر معركته مع البيروقراطية، ومع لجانٍ تُعيِّن وتُقصي وِفق أهواء لا لوائح، تُهمِّش المواهب لأن أصحابها لا يملكون ظهرًا يسندهم، بينما يتقدَّم أصحاب الحظوة ببطاقات النفوذ والعلاقات. وفي الوقت الذي يُتَّهَم فيه الرياضي بالخيانة إن غادر بحثًا عن وطنٍ يقدِّره، يولد أبناء المشاهير في مستشفيات الغرب، ليحصلوا على جنسيةٍ تفتح لهم أبواب المستقبل دون جهدٍ أو انتظار.. مفارقةٌ تُلخِّص مأساة العدالة الاجتماعية في أبهى صورها: من يملك المال يُولَد بجوازٍ ذهبي، ومن يملك الموهبة يُولَد مقيدًا بجوازٍ لا يمنحه سوى العوائق. هنا، تتجلى الفجوة بين من يُولَد ليُكافأ، ومن كُتِب عليه أن يَحيا مُدانًا، فبينما يتباهَى الفنانون بولادة أبنائهم في بوسطن أو لندن ليؤمِّنوا مستقبلهم، يُعاقَب الرياضي الذي يحلم فقط بمستقبلٍ يحترم مجهوده، وحين يختار الرحيل، يُرمَى باتهامات التخوين، ويُقال عنه أنه "باع وطنه"، بينما الوطن ذاته هو من باع أبناءه، حين تركه وحيدًا في مواجهة منظومةٍ تُكافئ الولاء لا العطاء. لقد تحوَّلت الرياضة المصرية إلى مرآةٍ لفسادٍ إداري وأخلاقي متجذِّر، من اتحاد كرة القدم إلى تنس الطاولة والمصارعة والإسكواش وغيرها الكثير، تتكرر المشاهد نفسها: وجوهٌ ثابتة، قراراتٌ مزاجية، ولجانٌ تُوزِّع المناصب كما تُوزَّع الجوائز في حفلات التكريم الشكلية، ووسط هذا الضجيج، تُدفن المواهب كما تُدفن الأسرار.. في صمتٍ تام. قضية عمر عصر ونجل رئيس اتحاد تنس الطاولة محمود أشرف، لم تكن مجرد خلافٍ عابرٍ داخل اتحادٍ رياضي، بل تجسيدٌ لمنظومةٍ فاسدةٍ تُعيد إنتاج نفسها، حادثةٌ كشفت أن الكفاءة لا وزن لها أمام القرابة، وأن الطريق إلى التمثيل الدولي لا يبدأ من التدريب، بل من العلاقات. ولم تكن هذه الحالة استثناءً، بل عنوانًا لما يحدث في اتحاداتٍ أخرى، حيث تُقصَى الأسماء الشابة لصالح أبناء الكبار، وتُختصر البطولة في رقم الهاتف الصحيح، لا في الزمن القياسي الذي يُحرزه اللاعب في الميدان. نتيجة ذلك واضحة في الأفق: هجرةٌ مؤلمةٌ للمواهب، فها هو المصارع كيشو يغادر إلى الولايات المتحدة بعد أن ضاق صدره ذَرعًا ببلدٍ لم يمنحه سوى الوعود، بينما آخرون من لاعبي الإسكواش، الشطرنج، وألعاب القوى حملوا أعلام دولٍ أخرى، ليس حبًّا فيها، بل اعترافًا منها بموهبتهم. ومن المفارقات العجيبة أن بعض المسؤولين الذين يندِّدُون الآن بما يصفونه بـ "ظاهرة التجنيس"، هم أنفسهم من يغضُّون الطرف عن أبنائهم المولودين في الخارج، حاملين جنسياتٍ مزدوجة، يقولون عن الرياضي الذي غادر "خائن"، لكنهم لا يرون في أبنائهم الذين يحملون جوازاتٍ أجنبية إلا "مستقبلًا مشرقًا". حتى حين خرجت وزارة الشباب لتصف الظاهرة بأنها "اتجار بالبشر"، بدا الأمر ساخرًا حدَّ المرارة. فالاتجار الحقيقي ليس في سفر لاعبٍ موهوب يبحث عن فرصةٍ للنجاح، بل في بيع المواقع والمناصب والفرص داخل المؤسسات الرياضية لمن يدفع أو لأصحاب القرابة، تلك هي التجارة التي تقتل الطموح وتُفرِّغ الوطن من كفاءاته. في ظل هذا الواقع، لا يمكن أن نطالب الرياضي بالولاء قبل أن نمنحه العدالة، ولا أن نطالبه بالصبر وهو يواجه مؤسساتٍ تسرق منه عمره تحت لافتة "الانتماء".. الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بالأناشيد ولا بالمهرجانات، بل بإعادة هيكلة المنظومة من الجذور، حيث تنظيفها من الفساد، واستبدال ثقافة المجاملة بثقافة الكفاءة. إن الطريق إلى الإنقاذ واضح، لكنه يحتاج شجاعة التنفيذ: 1. الشفافية والمحاسبة: بنشر تقارير الاتحادات وإخضاعها لرقابةٍ حقيقية ومستقلة تُسائل الفاسد لا أن تكرمه. 2. الاختيار بالكفاءة لا بالقرابة: بمعاييرٍ موضوعيةٍ تعتمد على الإنجاز، لا على الألقاب العائلية. 3. رعاية المواهب: عبر برامج تدريبٍ ودعمٍ تُدار باحترافية، لا بلجانٍ موسمية تتغذَّى على الظهور الإعلامي. 4. فصل الرياضة عن النفوذ: بقطع خيوط المصالح الشخصية والعائلية من القرار الرياضي، ليعود الانتماء للميدان لا للمكتب. ومع ذلك، تبقى المأساة أعمق من مجرد فسادٍ إداري، إنها أزمة وعيٍ مجتمعي، تخلط بين الولاء والعبودية، وبين النقد والخيانة.. كل لاعبٍ يغادر يُهاجَم بعباراتٍ جاهزة، بينما الحقيقة أن الغدر لم يكن في الرحيل، بل في الإهمال الذي سبقه. وما بين صراع الموهبة التي تُقصَى بمجابهة الكرسي المقدَّس، تضيع أعمارٌ وأحلام، يقف اللاعب المصري على حدود وطنه، يحمل في حقيبته ميداليةً لم تُمنَح، ودموعًا لم تُرَ، وحلمًا لم يجد في بلده موطئ قدم، ومع ذلك، يبقى قلبه معلقًا بمدرجٍٍ يهتف باسمه ذات يوم، إن عاد العدل إلى مكانه، وإن أصبحت الرياضة في مصر ميدانًا للإنجاز، لا ساحةً للمجاملة، فحين يكون الطريق إلى المجد في مصر مفروشًا بالخذلان، يصبح السفر ليس خيانة.. بل خلاصًا.
